قال تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] « 1 » .
فأثبت ، ونفى وعرى ، وكسى ما أسرع ما نفي ! وما أسرع ما أثبت ! فإن العين واحدة ، والمقام يعطي ذلك .
فلهذا سمّيت هذه المنازلة بالمسلك السيّال تشبيها بسيلان الماء الذي لا يلبث على شيء بعينه ، وذلك ليس بمحال عند أرباب الكشف .
قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ البقرة : 148 ] .
وجمع الأضداد من الشيء ، فعلمنا أن العقول قاصرة عن إطلاق هذه الآية ، وأنه قادر على جميع الأضداد وخلق المحالات ، بل هو جامع الأضداد بل هو عين الأضداد ، فإذا علمت نهاية أمر العقل من حيث النظر والفكر ، وقلة جدواه ، وثمرته ، وغايته ، فلتعلم أنه لم يبق العلم الكامل إلا في التجلّي الإلهي ، وكشف ما يكشف الحق تعالى عن أعين البصائر والبصيرة ، فيدرك الأمر قديمه ، وحادثه ، وعدمه ، ووجوده ، وواجبه ، وجائزه ، ومحاله على ما هو عليه في حقائقه وأعيانه ، فافهم .
فقد نبهتك على أمر عظيم ؛ لتعرف لماذا يرجع علم العقلاء من حيث أفكارهم ويتبيّن لك أن العلم الصحيح الذي هو الكشف الصريح ، والنص الصحيح لا يعطيه الفكر والنظر ، بل هو نور يقذفه اللّه تعالى في قلب أي عبد شاء ، فلا تتّكل على عقلك الأبتر الأجذم .
أما ترى في قياس العقل بل في واضح القياسات في المعتقدين موت المجاهدين المقتولين في سبيل اللّه إنهم أموات بالعلة الجامعة ، فافهم .
قاسوا وأخطأوا في القياس حتى كذّبهم اللّه تعالى .
ونفى العلم عمن ألحقهم بالأموات .
هامش
( 1 ) قال سيدنا القطب عبد الحق ابن سبعين قدس سره في رسائله : فإن قال قائل : كيف أثبت الرمي ثم نفاه عنه ؟ فالجواب عن ذلك : أن الرمي يحتوى على أربعة أشياء : على القبض والإرسال والتبليغ والإصابة ، فكان القبض والإرسال من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والتبليغ والإصابة من اللّه عزّ وجل .