كلام فصل لا هزل ولا مزح ، بل جعل اللّه خلق السماوات وما بينهما إلا أمثالها ، وعبرا ليعتبره الفاهم اللبيب ، ويعبر من الصور المحسوسة إلى المعاني المعقولة ؛ لقياس الغائب على الشاهد ، فالعالم كله بما فيه ضرب الأمثال ؛ ليعلم فيها أنه هو .
قال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
[ إبراهيم : 24 ، 25 ] ، إنما جعل ضرب المثل للناس ؛ لأنهم نسوا في هذه النشأة ما كانوا عليه في أنفسهم من المعارف في أصل الفطرة ، فضرب اللّه لهم الأمثال ؛ ليثبّت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت بضرب الأمثال ، كاقتراب الساعة ، وقيامة الكبرى والصغرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وأمثالها لتذكرة الناس الناسين حقائق الأمور على ما هو عليه ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين لعلهم يتذكرون .
وأمّا العارفون فقد عامله اللّه بالكشف والشهود ، يرى نفسه أنها كلها كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت في أرض الطبيعة ، وفرعها ونتيجتها منتشرة في سماء الأسماء العلا ، بالتخلّق بالأسماء الحسنى ، وهي دائم الثمرات والنتائج بإذن ربها ، عطاء غير مجذوذ ، لا مقطوع ولا ممنوع ، ضرب اللّه الأمثال فلا تهتدون ، وقد أحكم الآيات وأنتم لتأويل المتشابهات متعرّضون ، وعن المحكمات معرضون ، فبأي حديث بعده تؤمنون ، ولكن ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا :
وما كل عين بالجمال قريرة * وما كل من نودي يجيب إذا دعي
كلّ ميّسر لما خلق له ، سبحان مرتب الأمور ، شارح الصدور ، وباعث من في القبور .
قال رضي اللّه عنه في الباب السادس والسبعين وثلاثمائة من « الفتوحات » : إنّه لا يؤمن بالحق إلا من خاطبه الحق سبحانه في سرّه ، وإن لم يشعر به المخاطب ، وإنما يجد في نفسه التصديق به وفي قلبه ، وكذلك لا يؤمن بما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلا من خاطبه الولي في سرّه ، وهو لم يدر ولم يشعر به .