فمنهم شقي طلب شقاوته ، ومنهم سعيد طلب سعادته ، ولو شاء لهداكم أجمعين ، لكنه لم يشاء ؛ لأن الحكمة اقتضت ذلك ، قال تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ الحج : 10 ] .
( إلا أن بعض أهل النظر المتوغل ) في الدين ( من أصحاب العقول الضعيفة ) الذين ما وفّوا النظر ( حقه يرون اللّه لما ثبت عندهم أنه فعال ) لما يشاء إنه يشاء إيجاد المحيل والمستحيل ، مع أنه قال اللّه تعالى :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
[ البروج : 16 ] .
وغفلوا عن حكم الإرادة أنّها ما تتعلق إلا بممكن الوجود ، فالمراد لا يكون إلا أمرا وجوديّا لا محالا ؛ لأنه حكيم ما يريد ، إلا ما تقتضي الحكمة ، وهذا القدر من العلم يدرك بالعقل السليم من نفس الآية ، فعدم إدراكهم ذلك القدر من ضعف فكرهم ونظرهم ، جوّزوا على اللّه ما لا يجوز .
( وهو ما يناقض الحكمة البالغة ، وما هو عليه الأمر في نفسه ) ؛ لأن المشيئة لها أحدية التأثير والتعلّق ؛ لأن الحق ليس بمحل الجواز ، والمشيئة تابعة للإرادة ، وهي تابعة للعلم ، والعلم تابع للمعلوم ، والمعلوم على ما هو عليه .
قال تعالى :
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
[ يونس : 64 ] ، وليست كلماته سوى صور الممكنات كلمات إثر كلمات ؛ فإنّها على ما هي عليه ، وما وقع منهم ذلك إلا لقصورهم في النظر والفكر ، وغلوّهم في التنزيه ، فإنّهم وقعوا في تجويز ما لا يجوز ولا يصح ؛ بل ولا هو من الممكنات ، وهم لا يشعرون .
هذا من الغلو الذي نهى عنه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال :
« إياكم والغلو في الدين ؛ فإنما هلك من كان من قبلكم إلا بالغلو في الدين »
« 1 » رواه ابن عساكر ، ذكره في جمع الجوامع .
فلهذا ( عدل بعض النظار إلى نفي الإمكان ) : أي لما رأى بعض أهل النظر أن
هامش
( 1 ) رواه النسائي ( 2 / 435 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1008 ) ، والطبراني في الكبير ( 12 / 156 ) .