إلا أن بعض أهل النظر من أصحاب العقول الضعيفة يرون أن اللّه لما ثبت عندهم أنه فعال لما يشاء ، جوزوا على اللّه ما يناقض الحكمة وما هو الأمر عليه في نفسه .
ولهذا عدل بعض النظار إلى نفي الإمكان وإثبات الوجوب بالذات وبالغير .
والمحقق يثبت الإمكان ويعرف حضرته ، والممكن وما هو الممكن .
ومن أين هو ممكن وهو بعينه واجب بالغير ؛ ومن أين صح عليه اسم الغير الذي اقتضى له الوجوب ولا يعلم هذا التفصيل إلا العلماء باللّه خاصة ] .
قال الشارح رضي اللّه عنه :
( فمن عرف استعداده عرف قبوله ) ، فإن العلم بالعلة من حيث أنها علة يوجب العلم بالمعلول ، كما يظهر في باب التضايف ، فهو ممن عرف القبول بالاستعداد ، لا من الذي عرف الاستعداد بالقبول ؛ لأنه دونه .
( وما كل من عرف قبوله يعرف استعداده ) ، بل ولا يعلم ذلك الاستعداد :
( إلا بعد القبول ) ؛ حيث رأى أنه قبل ذلك ، فعرف أن لولا الاستعداد ما قبل ذلك .
( وإن كان يعرفه ) : أي الاستعداد ( مجملا ) ، فالأول صاحب العلم التفصيلي بالاستعدادات التفصيليّة ، والثاني صاحب العلم الإجمالي بها ، وأين هذا من هذا ، بل الأول أتم وأعم ما يكون في معرفة الاستعدادات في صنعه ؛ لأنه مطّلع على غيبه بعثوره على عينه ، بل هو مشرف على أحكام أعيان غيره وأحواله ، فافهم .
فلما قرأ الاقتضاءات ذاتية ، والطلبات والمنح النفثية نفسية علم أن اللّه فعال لما يريد ، وما يريد إلا ما يريد المريد .
قال اللّه تعالى :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
[ القصص :
68 ] .
وقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
[ الرعد : 11 ] .