وأيضا كل علم حصل بالابتلاء ، كما قال عن نفسه تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
[ محمد : 31 ] .
وهذا لإقامة الحجة ، فإنّه يعلم ما يكون قبل أن يكون ؛ لأن علمه في ثبوته ، ومن هذا الذوق : أي وفق ( لنبلونكم ) .
قال مجذوب : وأمّا أنا فعرفته ، وأما هو فلا أدري أنّه عرفني أم لا : أي عرفني مجاهدا أم لا ؛ لأن علمه تابع للمعلوم ، والمعلوم : أي كونه مجاهد إما ظهر بالنسبة إلى هذا القائل في ذلك الوقت ، فلا يتعلق به العلم إلا بحسب ما هو المعلوم عليه .
وبيان ذلك أنّ العلم المطلق من حيث التعلق بالمعلومات ينقسم إلى علم يأخذه الكون من اللّه بطريق التقوى ، وهو قوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ البقرة : 282 ] ، وقوله تعالى :
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
[ الأنفال : 29 ] ، وهو علم الإفراد .
قال تعالى في خضر عليه السلام :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
[ الكهف : 65 ] ، وهو علم التقوى ، وإلى علم يأخذه اللّه من الكون عند ابتلائه إياه بالتكليف ، وهو قوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
[ محمد : 31 ] ، فلو لا الاشتراك في الصورة ما حكم على نفسه بما حكم على خلقه من حدوث التعلّق مع قدم العلم .
وهذا التفصيل من نتيجة العلم بالتحقيق بالصورة ، فإذا ظهر العبد على الصورة فلا يفوته شيء ؛ لأنّه حقيقي ،
« اتق اللّه حق تقاته « 1 » »
، وإذا ظهر الحق بصورة الإنسان الحيواني في مقام الحيواني في مقام : جعت فلم يطعمني في الحال الذي لا يكون الإنسان في صورة الحق ، كان الحكم عليه كالحكم على صورة الإنسان الحيواني الذي ليس على صورة .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 3 / 714 ) ، والنسائي ( 6 / 126 ) .