هذا هو العطاء الرحماني ، وهو في الدنيا لذّة بلا منغصة ، وفي الآخرة لا حساب عليه ولا منغصة ، هذا عطاء غير مجذوذ ، فافهم .
( وأما رحمة ممتزجة ) ، قال اللّه تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام أنّه قال لأبيه آزر :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
[ مريم :
45 ] .
فلا يكون عذاب من الرحمن إلا من الرحمة الممتزجة ؛ لأنّه منذر منه ، و
« كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ »
، ( كشرب الدواء ، والكريم الذي يعقب شربه الراحة ) ، وزوال ما يتلائم بحسب المآل ، قال تعالى :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
[ البقرة : 216 ] .
( وهو عطاء ) أسماء ( إلهي ) ؛ وإنما قلنا : إنّ كلها من الأسماء : أي لا يكون ظهور تلك الرحمة إلا على يد اسم من الأسماء الإلهية ؛ هذا تعليل لقوله : ( وهي كلها من الأسماء ) ، ( فإنّ العطاء ) : أي لأنّ العطاء الأسمائي ( الإلهي لا يتمكن إطلاق عطائه منه ) : أي من الحق سبحانه ( من غير أن يكون على يد سادن ) : أي خادم يخدمه ؛ لأنّ في مفهوم العطاء إخراج شيء لشيء ، وذلك لا يكون لذاته بذاته ؛ لأنّ الذات من حيث هي لا تقتضي أمرا ؛ بل الاقتضاء والاقتضاء فيها سواء ، وكيف لا وقد قلنا الذات بلا اعتبار ، والاقتضاء من الاعتبارات ؛ بل الذات من هذا الاعتبار متنزهة عن الإدراك ، وكيف إدراك الاعتبارات فيها لا يقع العطايا والمنن على البرايا ؟ .
وذلك ( سادن من سدنة الأسماء ) : أي خدمها ؛ لأنّها خدم ذات مرتبة الألوهية ، وعندها خزانة كل شيء ، كقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
[ الحجر : 21 ] .
وهي كالوهاب ، والمنعم ، والكريم ، والجواد ، والسخي ، والمقيت ؛ لأنّ المقيت حضرة تعين أوقات الأقوات الروحانية والجسمانية ، وموازينها وتقديرها بحسب طلب الأعيان ، ( فتارة يعطي اللّه العبد ) تلك الرحمة الممتزجة .