« من عرف نفسه فقد عرف ربه »
« 1 » ، ثم تبعد الدلالة بقدر المناسبة وأقرب الشيء إلى الشيء نفسه .
قال تعالى :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
[ المائدة : 117 ] .
لأنّها لك ولا أعلم ما فيها مما أخفيت من قرة أعين ؛ لأنّه غيب عنه صلى اللّه عليه وسلم وذلك من بعد المناسبة بين العبد وبين ربه مع علمه .
( بأنّها رأى صورته إلا فيه ) والذي رأى فيه صورته لا غير ؛ وذلك لأنّه رأى الوجود كالمرآة لم يكد يراه ورأى عينه فيه محصورة بحكم .
كما قال اللّه تعالى :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] .
فالحصر عمّ الوجود ومحصور يحصر ما ، مع أنّه يعلم أنّه عينه من حيث كونه عدما له إطلاق صرف ، ولكن يحكم الاتصاف بالوجود والظهور فيه ، أعطي للعين الحصر وانحصرت فيه ؛ لأنّ الحصر من لوازم أحكام الوجود ، فيعلم أن التي رآها ليست صورته ، فيحكم الأمر أنّ المتناقضان المتضادان في آن واحد .
( كالمرآة في الشاهد ) أراد رضي اللّه عنه لتوضيح الأمر أن يقيس الغائب على الشاهد ، وضرب مثل ( إذا رأيت الصور فيها لا تراها ) : أي لا ترى نفس المرآة وجرمها وعينها : أي حين نظرك صورته لم تر صورة المرآة ، كما قيل لا يصدر من الواحد إلا الواحد .
أما ترى جرم المرآة ما ترى نفسك وصورتك فيها مع علمك أنك مهما رأيت الصور أو صورتك إلا فيها مثله كمثل الضوء أنّه يرى به كل شيء ، وهو لا يرى بل ولا يمكننا أن نشير إليه .
فهو تعالى غائب حاضر منظور ناظر ، باطن ظاهر ، إنّ هذا لشيء عجاب وللّه المثل الأعلى ، وهو العزيز الذي لا يرى من حيث هويته الحكيم ، حتى يقال : إنّه يرى من حيث ذاته .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .