محمد بن أبي الضيف نزيل مكة المشرفة ومفتيها ، فقلت : إنّ علمنا به فرع علمنا بنا ، كما أنّ وجودنا عند فرع عن وجوده ، فهو أصل في الوجود فرع في علمنا بنا وهو مدلول هذا اللفظ أيضا ، ففرح بذلك لأنّه كان هذا قدره لا إيمان كامل ولا العلم والنظر السليم ، وكان بحّار فأعطيناه ما يلائم مزاجه وعقله وهو صحيح ؛ فإنّه ما في الوجود كلام إلا وله وجه صحيح ، فافهم .
و ( ما ثم صنف من أهل اللّه أعلى واكشف من هذا الصنف ) ؛ لأنّهم أحاطوا بالعلم الإلهي بعلمهم بأنفسهم .
قال تعالى :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
[ البقرة : 255 ] ، علّق الإحاطة بالمشيئة ما شاء اللّه ، كان قد أحاط اللّه بكل شيء علما .
( وهم الواقفون على سر القدّر ) والقدّر توقيت ما عليه الأشياء في عينها من غير مزيد من حضرة المقيت ؛ فأنّه يقدر أوقات الأوقات صورية ومعنوية ، فما حكم القضاء قدره هذا الاسم تقدير العزيز الحكيم وهذا هو عين سر القدر .
فهمّ الواقفون الحاضرون لهذا التوقيت على مقتضى الاستعداد ، والمطلعون على أصله وفرعه ، ولهذا المقام إجمال وتفصيل ، منهم من يعلم ذلك تفصيلا .
فقال رضي اللّه عنه : مريدا لإظهار مراتبهم ( وهم على قسمين ) ؛ منهم من يعلم ذلك مجملا : أي يعلم سر القدر على الإجمال ، ومنهم من يعلمه مفصّلا والذي يعلمه مفصّلا أعلى وأتم من الذي بعلمه مجملا ؛ فإنّه يعلم : أي بذلك العلمي التفصيلي ما في علم اللّه فيه : أي في نفسه وذاته .
( إما بإعلام اللّه تعالى إياه بما أعطاه عينه من العلم ) : أي بنفسه فهذا العلم : أي الذي يكون بالإعلام يسمّى : العلم التعليمي ؛ فإنّه من تعريف اللّه إياه بإلقاء روحي أو قلبي أو كلاهما هذا دون الكشف في النتيجة والشرف .
( وإما بأن يكشف له عن عينيه الثاقبة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما يتناهى ) هذا علم التّجلّي بكشف الساق يعني : كشف الغيوب على القلوب ، وهو أعلى : أي