« كنت وليا وآدم بين الماء والطين »
« 1 » فمن فهم المراتب والمقامات لم يعسر عليه قبول أمثال هذا .
فخزائن الأعطيات مختومة بختام الفاتح ، فما يخرجها إلا بقدر معلوم فلهذا قال :
( جعلت هذا الكتاب منه ) : أي أظهرت فيه من هذه الحقائق الغير المتناهية ما حدّ لي : أي ما حدّ لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا ما وقفت عليه ، والوقوف من الكمّل مختلف باختلاف وسع الكمّل ، فمنهم من يشهد الحكم ويزنها في الشؤون الإلهية المشهودة له ، ولا يشهدها إلا عند تكوينها في الخارج في عالم الأرواح لا عالم الحس .
خاصة ومنهم من يشهد قبل ظهورها في الحس وهو التكوين ، والآخر يشهده في الإمام المبين وهو اللوح المحفوظ ، وهذا أعلى من الأول وأما على الشهود وأتمه الذي كلامنا فيه ونحن بصدد بيانه ، وهو أنه يزنها قبل أن يكون الحق فيها ، وهو الذي يشاهد أعيان الممكنات في حال عدمها .
كما يشهدها الحق في قوله :
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
[ يوسف : 76 ] .
وهذا أعلى المدارك وأتمها وأعزها ، قال : علمه بالأشياء بمنزلة علم اللّه تعالى بها ؛ لأن الأخذ من معدن واحد وهذا : أي الخليفة شرب الخاتم الفاتح ، فإنّ ذلك لا يسعه كتاب ولا العالم الموجود الآن ؛ لأن المتناهي لا يسع غير المتناهي : أي عادة وإنما قلنا عادة ؛ لأنه قد يسع كرامة كما وسع القلب ربّه .
ومن دون ذلك الذوق يقول أبو يزيد البسطامي قدّس سرّه : العرش وما فيه مائة ألف ألف مرة لو أبقي في زاوية قلب العارف ما أحسّ به هذا وسعه قدس سره في المحسوسات ، فافهم .
والتأنيس في كيفية الاطلاع على غير المتناهي :
أولا : من قرب النوافل ؛ حيث يكون الحق قواه فيدرك غير المتناهي بغير المتناهي .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه بنحوه .