مرايا لوجوده تارة ، ورأى الوجود مرآة الأعيان تارة ، وجمع بين الروايتين تارة أخرى ، في كون جامع حاضر وعلى لسان صاحب هذا المقام ، قال الشيخ العارف ابن الفارض :
ولولاي لم يوجد وجود ولم * شهود ولم تعهد عهود بذمّة
وهنا مقامان : الأول أن يكون العالم مرآته ، والثاني أن يكون هو للعالم مرايا وهو المقام الأعلى والمدرك الأقصى والمجلي الأعم الأسني .
قال : العالم يرى فيها نفسه ولا يراها أصلا كالمرآة حين ترى صورتك فيها فإنّك حينئذ ما تراها فيكشف العالم ولا يكشفه العالم ، فهذا قلب الخاتم الأتم لو تسأل الأيام عنه ما عرفته ولو طلب له مكان لم يعقل له مكان .
وهذا هو وارث الحق حقا ، وصاحب هذه الكرامة المحمدية صدقا ليس له مقام فيدرك ، وحال فيكشف .
ومن هذا المقام أشار في الكتاب العزيز :
يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا
[ الأحزاب : 13 ] : أي لتربية أرباب المقامات ، فإنّ الأمر غير متناه وله تأثير في العالم من غير تعيين ونوى في كشفه ما يغنيك عن وصفة في سري .
أشار إلى أن تجليه رضي اللّه عنه كان سريا : أي ذاتيا اعلم أن سر كل شيء عبارة عن حقيقته ، فحقيقة كل شيء سره : أي لما أطلعني اللّه تعالى على ما أودع في هذا الوالد الأكبر في سري وحقيقتي ، فما عرفت أمرا زائدا على نفسي بل عرفتها بمعرفة نفسية كمالية جامعة ، وعرفتها بتفصيلها لا في الخارج .
يشير رضي اللّه عنه إلى تحقيق التحقيق وتشريف التجلي المحقق في هذا الاطلاع يعني : ما كان الاطلاع بالأخبار الإلهي ولا باعتبار القبضتين كاطلاع آدم بل كان بالكشف السري وبالشهود الذوقي والوجدان النفسي : أي لا بمجرد الكشف وشهدت ما أودع في هذا الوالد الأكبر ذوقا ويقينا باطلاعي على نفسي وسري وحقيقتي وأشرفت على ما فيها ، ما أخفيت فيها من قرة أعين إشراقا وإطلاعا ذوقيا ومن هذا