أمّا وجوب الوجود فقد أظهرت لك شأنه إن كنت فاهما غير مرة ، وأما الغنى الذاتي فاعلم أنه رضي اللّه عنه قال في الباب التاسع والسبعين وثلاثمائة : إنه في الخبر الصحيح والنص الصريح أن العبد يصل إلى مقام يكون الحق تعالى من حيث هويته جميع قواه ، وهو سبحانه الغنيّ لذاته الذي يمكن إزالته عنه فإذا أقام اللّه عبده في هذا المقام فقد أعطاه صفة الغنىّ عن كل شيء ؛ لأن هويته هو عين قوي هذا العبد وليس ذلك من تقاسيم الأعطيات إلا الإيثار فقد أثّر بما هو له لهويته التي هي عين العبد ، وهذا من بعض محتملات ما ذكر من القوم وهو أن الفقير لا يحتاج إلى اللّه ؛ لأنه فان في نفسه باق بالغنى على الإطلاق .
قال رضي اللّه عنه : وهذا من علوم الأسرار التي لا يمكن بسط التعريف فيها إلا بالإيماء لأهلها أشجعهم للعمل عليها فإنه في غاية من الخوف لقبولها وكيف الاتصاف بها ؟
فافهم وتحفّظ .
فإنها أخت مسألة وجوب الوجود في الغرابة والندرة التي لا تجدها في كتب الصوفية ؛ لأنها دون ذوق المحققين المتصفين بالإطلاق فافهم .
قال الشيخ المصنف رضي اللّه عنه :
[ فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل .
فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى .
ولذلك قال فيه :
« كنت سمعه وبصره »
وما قال :
« كنت عينه وأذنه »
، ففرق بين الصورتين .
وهكذا هو في كل موجود من العالم بقدر ما تطلبه حقيقة ذلك الموجود .
لكن ليس لأحد مجموع ما للخليفة .
فما فاز إلا بالمجموع .
ولولا سريان الحق في الموجودات وظهوره فيها بالصورة ما كان للعالم وجود ، كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكم في الموجودات العينية ] .
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي ) — صفحة 353
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٣٥٣