و ( إبليس ) وكان اسمه حارث فأبلسه اللّه تعالى وطرده من رحمته ، وطرد رحمته منه ، فسمّي إبليسا : أي طريدا .
( جزء من العالم لم يحصل له هذه الجمعية ) ؛ لأنه مظهر اسم المضل ، وآدم عليه السّلام مظهر لاسم اللّه الجامع لجميع الأسماء الظاهرة في المظاهر المسمّاة بالعالم ، والاسم المضل من جملة تلك الأسماء ، واللبس على إبليس حقيقة الأمر لجهله بنفسه ، فظنّه أنه الشرف من حيث النشأة العنصرية ، ثم ظن أن أشرف الاستقصات النار ؛ فرتّب بالفكر الفاسد على هذا الوهم الكاسد الأقيسة الباطلة والمقدمات العاطلة في نفسه وتوهّم منها النتيجة ، وامتنع عن السجود حين أمره اللّه تعالى وما اكتفى بمجرد الامتناع وكان أستر له بل فضح نفسه عند العلماء بإظهار استدلاله ، وجمع بين الجهل وسوء الأدب لخفته وطيشه .
وقال تعالى :
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ الأعراف :
12 ] .
وهذه أول معارضة ظهرت من إبليس في صنعة الجدال ، فإنه جادل ربه وما أحسن في جداله ؛ لأنه ما أعطي حقه إن الحق تعالى أراد بقوله :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ صّ : 75 ] : أي يد تنزيه وتشبيه ، وإن شئت قلت يد وجوب وإمكان ، أو يد بخلاف سائر العالم ملكا وفلكا .
قال تعالى :
إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ] فهو مجموع العالم أجزاءه وله شرف الكلية على الأجزاء ، وعلى الأجزاء أن يطيعوه ولا يعصوا له أمرا ، فأمر بهذه الحكم البالغة له سجدة إلا طاعة ، والانقياد له إظهارا لشرفه على الخلق المخلق ؛ سيّما الملائكة عليهم السلام ؛ لأنه كل الوجود ، فما فهم اللعين هذه المقدمات المطوية والأسرار الوجودية ، وحمّل الخطاب على غير محله حسدا من عنده ؛ فجادل وعارض وتطاول ، وذلك أنه لما فهم من لحن المخاطبة والقول إثبات الشرف لآدم ، وما علم أيّ شرف يوجب أن يطاع ، وينقاد بهذه السجدة ، فادّعى بطريق