يتمكّن النور أن يكون حجابا مستورا ، فإنه لذاته يخرق الحجب ويهتك الأستار .
ف ( العالم ) الذي هو عين السرّ على نفسه بين ( حجاب كثيف ) و ( حجاب لطيف ) ، وليس العالم سوى هذه الأجسام والأجساد كثيفها ولطيفها ؛ وهو عين الحجاب على نفسه ، وانحجب بعينه وتقيّده عن الأصل المطلق الذي لا يتقيّد بالتقييد ، كما لا يتقيّد بالإطلاق ، فافهم .
فلا يدرك الحق سبحانه : أي العالم لا يدركه تعالى ؛ من حيث إطلاقه إدراكه تقسه : أي مثل إدراكه تعالى نفسه ، وذاته تعالى وهو مطلق ؛ لأن المقيّد لا يدرك المطلق لعدم المناسبة ، فلا يدرك المطلق إلّا المطلق ، والعالم مقيّد فلا يدرك الحق المطلق ، فلا يزال أي العالم في حجاب لا يرفع :
منحتها الصفات والأسماء * أن ترى دون برقع اسما
قد تسمّت بهم وليسوا * فالمسمى أولئك الأسماء
وذلك لتقييد العالم وعدم إطلاقه ، وإطلاق الحقّ تعالى وعدم تقيّده ، والمقيّد لا يدرك المطلق أبدا .
قال تعالى :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] ؛ لأن الإطلاق مشرف على التقييد لا بالعكس ، فيعلمنا ولا نعلمه ، ويدركنا ولا تدركه ، وأيضا أن ( المطلق ) له أن يقيّد نفسه إن شاء .
ومن هذا المقام أوجب على نفسه الرحمة ، فيدرك المقيد بإدراكه لنفسه بخلاف المقيد لا يصح أن يرجع مطلقا بوجه من الوجوه ما دامت عينه ، فإن القيد صفة نفسه له فلا يفارقها أبدا .
هذا حكم العالم من حيث أنه عالم لا حكم الإنسان الكامل ؛ فإنه مخلوق على الصورة يا أهل يثرب لا مقام لكم ، فافهم .
( مع علمه بأنه متميز عن موجده بافتقاره ) ف ( الحجاب ) مسدل مع العلم بالتميز ؛ لأن علمه ما تعدى نفسه من حيث لوازمه الذاتية ، فلا أفاد في إدراك الحق تعالى شيئا ، ولكن أي وإن كان له العلم بالتميز عن موجده بافتقاره ، ولكن لا حظّ