والتنبيه على ذلك قوله تعالى :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
[ آل عمران : 128 ] فوصف نفسه لنا بنا ونحن له صفاته النفسية .
قال تعالى على لسان عباده :
إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً
[ طه : 35 ] وهو البصير بنا .
قد ورد في الخبر بهم أراد بعض الأولياء :
« تنصرون وهو الناصر ، وبهم ترزقون وهو الرازق »
« 1 » .
فتعرّف إلينا بنا ، وأحالنا في المعرفة به علينا فإذا علمناه بنا عرفنا نفوسنا ونحن له صفات ، فلتعلم أنك ما حكمت على معروفك إلا بك ، فما عرفت سواك فافهم .
وفيه سرّا آخر أخفي منه وهو أن الصفات النفسية إذا رفعتها ارتفع الموصوف بها ، ولم يبق له عين لا في الوجود العيني ولا في الوجود العقلي حيث ما رفعتها فافهم ، فإنك ما تسمع مثال هذا أبدا إلا من شخص سبّل نفسه وعرضه .
كان صلى اللّه عليه وسلم يقول :
« أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا أصبح يقول :
اللهم إني قد وهبت نفسي وعرضي لك فلا يشتم من شتمه ، ولا يظلم من ظلمه ولا يضرب من ضربه »
« 2 » رواه أنس رضي اللّه عنه .
( فإذا شهدناه ) : أي الحق تعالى من حيث أنه مرآة العالم ، ( شهدنا نفوسنا فيها ) لأننا ظاهرون في الوجود .
( وإذ شهدنا ) من أن تكون له كالمرايا ، ( شهد نفسه فينا ) ؛ لأنه الطاهر فينا فالكل مراء والكل مشهود .
قال تعالى :
وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
[ البروج : 3 ] .
هذا هو شهود الخلق في الحق وشهود الحق في الخلق .
أو نقول : فإذا شهدناه بوصفه شهدنا نفوسنا ، فإنها عين وصفه ، وإذا شهدنا شهد
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) رواه أبو داود ( 4 / 272 ) ، والبيهقي في الشعب ( 6 / 262 ) .