بمنزلة الكشف والشهود .
ثم اعلم ثانيا أنه لا يصح العلم لأحد إلا لمن عرف الأشياء بذاته لا بأمر زائد وكل من عرف شيئا بأمر زائد على ذاته هو مقلد لعلوم النظر يعني : هو يعلم بذلك الوجه المخصوص الذي يعطيه الأمر الزائد لذلك الزائد فيما أعطاه ، وما في الوجود من علم الأشياء بذاته إلا واحد وكل ما سوى ذلك الواحد فعلمه بالأشياء تقليد ، فلنقلّد اللّه ولا سيّما في العلم باللّه .
ينبغي للعاقل الناصح نفسه إذا أراد أن يعرف اللّه أن يقلّد اللّه فيما أخبر به عن نفسه في كتبه على السنّة ، تراجمه صلوات اللّه عليهم بالوقوف على الآداب الشرعيّة المشروعة عسى أن يحبه ، وإذا أحبّه يكون سمعه وبصره وجميع قواه ، فيعرف الأمور كلها باللّه ، ويعرف اللّه باللّه فلا يدخل في علمه شبهة ولا ريب ، وأنت قد عرفت أنه لا مزيل لهذا الداء العضال إلا أن يكون الحق عين قواه وهو سبحانه عالم بذاته [ وأنه ] لعالم بذاته لا بأمر زائد فافهم .
فقد نبهتك على أمر ما أطرق سمعك ، فإن العلماء من أهل النظر يتخيلون أنهم علماء بما أعطاهم النظر والحس والعقل ، وليس كذلك لما فهمته إن كنت فاهما من مقدمة كتابنا أن هذا النوع من العلم خارج عن طور العقل ، فلا يدركه مستقلا فافهم .
فقوله رضي اللّه عنه : ( علمناه به ) ؛ لأنه ظاهر بنا فعلمناه بعلمنا بأنفسنا ، كما ورد في الخبر :
« من عرف نفسه فقد عرف ربّه »
« 1 » .
( ومنّا ) : أي من صفات أنفسنا لا من خارج عنّا ، فعلمنا المورد والمصدر والأصل والفرع .
( منّا نسبنا إليه ) ذاتا واسما من الأسماء التنزيهيّة والتشبيهية إلينا مما يقبله العقل
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .