مسألتنا قرب الفرائض ، والمناسبة بين القربين ظاهرة ، وهي منشأ القياس بلا فارق ، فافهم .
( فلهذا سمّي إنسانا ) : أي لهذا الإبصار سمّي الإنسان إنسانا ، وهو فعلان صيغة مبالغة للمبالغة فيه ، فما كل عين ناظر لهذه المرتبة إلا عين الإنسان ، ولولا إنسان العين ما نظرت عين الإنسان ، فبالإنسان نظر إلى الإنسان ، كما أن المرآة إن كانت تامة الخلق مجليّة ، فلا تكمل إلا بتجلّي صورة الإنسان الناظر الذي هو العلة الغائبة فافهم .
قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : إن الأناسيّ ثلاثة : الإنسان الأول الكل الأقدم ، والإنسان العالم وهو الإنسان الكبير والإنسان الآدمي ، فانظر ما هو أتم من هذه الثلاثة ، انتهى كلامه .
( فإنه به نظر إلى خلقه فرحمهم ) : أي الحق بالإنسان نظر إلى خلقه ، فرحمهم كما جاء في الخبر الصحيح :
« فبهم يرحمون واللّه الرحمن الرحيم »
« 1 » .
أما ترى أن موسى عليه السلام وعلى نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم كيف طلب شرح الصدر ، ووزارة الأخ وهو رحمة ، ثم أعقبه بقوله :
إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً
[ طه : 35 ] فما رحمهما إلا بعد أن بصرهما بهما ، فالعبد آله الرب للإبصار ، وهذا من مقام قرب الفرائض ، فأوجب المعنى كلمة لغير من قام به .
ومن هنا برقت بارقة لمن قال من أهل النظر : إن البارئ مريد بإرادة حادثة لم تقم به تعالى ؛ لأنه ليس محل الحوادث ، فخلق الإرادة لا في محل ، فأراد بها ، فأوجبت الإرادة حكمها لمن لم يقم به ، كما ظنّت المعتزلة في الكلام ، وأمّا الذي يرى أن المعاني لا توجب إلا لمن قامت به ، طرأ عليه الغلط لكونه أثبت الصفات أعيانا متعددة وجودية ، لا تقوم بنفسها ، بل تستدعي موصوفا بها ، تقوم به فيوصف بها فلو
هامش
( 1 ) لم أقف عليه هكذا .