والأنبياء لا يورثون عليهم السلام حتى ينقلبوا إلى اللّه تعالى من هذا الدار وكل ما له من نبي انتقل ، فذلك علم موروث .
أما ترى قوله تعالى عن زكريا عليه السلام :
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي
[ مريم :
5 ] : أي بعد موتي ، وانتقالي إلى البرزخ فطلب من لدنه وليّا يرثه من بعده حتى لا يضيع الذين بعده ، وهل كان ذلك الإرث إلا بعد الانتقال ؟ .
ثم اعلم أن كل وارث علم في زمان يرث من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام ، وهذه الأمة لما كان نبيّها آخر الأنبياء عليهم السلام صحّ للوارث منهم أن يرث الجميع ولا يكون ذلك بغير هذه الأمة ، فلهذا خير أمة أخرجت للناس ، وكل علم لا يكون عن ورث فإنه ليس بعلم اختصاص كعلم الحكماء وأصحاب الفترات ، فافهم .
ولو كانوا علماء ولم يكونوا متبعين لنبي ، فنزلوا عن درجة الاختصاص والتفاوت بين العلمين بون عظيم ، وتميز ذوقي مشهود ، جعلنا اللّه وإيّاكم من الوارثين ، ولآخرتنا حارثين ولآخرتي حارث .
قال تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
[ الشورى : 20 ] .
والزيادة في الحرث هو التوفيق للعمل الصالح ، فلا يزال ينتقل من حسنة إلى حسنة ، فإذا كسب نال ما اقتضاه العمل والزيادة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وهو ذوق ، فهذه زيادة الحرث في الآخرة فينال به في الآخرة جميع الأغراض وزيادة لم يبلّغه أمله ؛ لعدم توجهه إليه .
وأما قول الشارح القيصري قدّس سرّه : إنه لا يريد أجر الآخرة من دخول الجنة وغيرها ، فإن الكمّل لا يعبدون اللّه للجنة ، انتهى كلامه .
فكأنه اشتبه عليه الفرقان بين من يعبد اللّه للجنة ، وبين من يشتهي الجنة وأجرها مع أنه رضي اللّه عنه ذكر في « الفتوحات » : إن النفس الناطقة تلتذ بجميع ما تعطيه القوة الحسيّة ، فتشتهي اللذات الجنانيّة .