وقال تعالى في عبده الصالح يونس عليه السلام :
فَنادى فِي الظُّلُماتِ
[ الأنبياء : 87 ] فاستجاب له .
فإن المريض أو المضرور إذا قال : يا اللّه يعني يا شافي اشفني ، ويا مغيث أغثني وهكذا هنا أجاب تعالى ندائه رضي اللّه عنه بلبيك ودعائه وطلبه بالسمع والقبول ، فافهم .
ثم اعلم أن الدعاء والطلب والسؤال لا يقتضي المنازعة كما ذهب إليه سهل ، والفضيل ابن عياض قدّس سرّهما حيثما أراد اللّه ، فإن الدعاء ذلة وافتقار ، والنزاع رئاسة وسلطنة فمن لم ينازع فما هو مقهور ، ولا الملك عليه بقهار .
قال رضي اللّه عنه : إنه ما تجلّى له الحق تعالى بحمد اللّه من نفسه في اسمه القهار ، وإنما رأى في مرآة غيره ؛ لأن اللّه تعالى عصمه منه في حال الاختيار ، والاضطرار فلم ينازع قط وكلما يظهر منه من صورة النزاع فهي تعليم لا نزاع ، ولا ذاق من نفسه صورة القدر الإلهي قط لمناسبة ذكر بعض الأخبار والآثار حتى يقرع سمعك مثل هذه الأسرار .
اعلم أن من النزاع الخفي الصبر على البلاء ، وعدم البلاء إذا لم يرفع إزالته إلى اللّه تعالى كما فعل سيدنا أيوب عليه السلام ، وقد أثنى اللّه تعالى عليه بفعله مع شكواه فقال تعالى :
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
[ ص : 44 ] .
ولهذا قلنا : إن الدعاء لا يقدح ولا يقتضي المنازعة بل هو أعلى ، وأثبت لقدم العبودية من تركه .
ورد في الحديث عن ثوبان رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : «
لا يرد القدر إلا الدعاء . . . .
الحديث » « 1 » رواه ابن ماجة .
وأما الرضا والتسليم فهما نزاع خفي لا يشعر به إلا أهل وخاصته ؛ وذلك لأن متعلق الرضا ميزان شرعي خاص لا يدرك إلا بالكشف ، فافهم .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 4 / 448 ) ، وأحمد في مسنده ( 5 / 280 ) ، والطبراني في الكبير ( 2 / 100 ) .