إن علم الناس دائما إنما هو تذكّر ، فمنّا من إذا ذكر تذكّر أنه كان علم ذلك المعلوم ونسبه لذي النون المصري قدّس سرّه ، ومنّا من لم يتذكر مع إيمانه به أنه قد كان شهده كما أنساهم اللّه تعالى شهادتهم بالربوبيّة في أخذ الميثاق ، مع كونه قد وقع وعرفناه ذلك بتعريف إلهي ، فافهم .
فالمراد من الناس المطّلعون على الكتاب المذكور ، وأمّا المتأهلون وهم أهل التذكرة فإذا ذكروا تذكّروا ، وأمّا المتأهلون وهم أهل التقوى وأهل المغفرة وهم أهل الحجاب والستر القابلون للتعريفات الإلهية ، ينتفعون به بإثبات النون خبرا عن الصادق وبشارة منه يتحقق النفع به البتّة ، فمن لم ينتفع به فليس من الناس ، فافهم .
وعلى الجملة الناظر إليه والمطّلع عليه إمّا متحقق وإمّا متوقّف فيه ، وإمّا منكر له فالكل منتفع به وإن كانت المنافع مختلفة باختلاف القوابل .
أمّا انتفاع المتحقق والمؤمن فظاهر ، وأمّا المتوقف فيه فلو لا إيمانه ما توقف ، وإمّا نفع المنكر .
فقال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : إن الكامل يعفو عمّن سمع بذكره ، أو رأى أثره فسبّه وذمّه ، وهذا ذقته من نفسي وإعطاء نيّة ربي بحمد اللّه ، ووعدني بالشفاعة بهم يوم القيامة .
ونقل رضي اللّه عنه فيها عن المشايخ أنهم أوّل ما يشفعون يوم القيامة فيمن آذاهم ، فقيل :
المؤاخذة .
وقال هذا نص أبي يزيد قدّس سرّه وهو مذهبنا ، فإن المحسنين إليهم يكفيهم عين إحسانهم والعافين عن الناس هم المحسنون ، ومن هذا المشرب ما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لربه عزّ وجل :
« يا رب إني بشر أغضب كما يغضب البشر ، اللهم من دعوت عليه أو سببته يعني في وقت غضبه ، فأجّل ذلك حتى أنه يوما دعا صلى اللّه عليه وسلم على صبية صغيرة أضجرته فخافت من دعائه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : لا تخافي فقد سألت اللّه »
« 1 » .
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ( 2 / 200 ) بنحوه .