كما قال رضي اللّه عنه في الباب الرابع والثلاثين : إنه ما غلط حسّ أبدا ، فإن قيل : إن الصفراوي يرى السكّر مرّا ، وليس هذا إلا من غلطه الحسي .
قلنا : هذا الغلط من الحاكم الذي هو العقل ؛ وذلك لأن المنسوب إلى الحس إدراك المرارة ، وهو واقع بلا شبهة ، ولكن إسناد هذه المرارة إلى السكر غلط العقل ، فإن الخلط الصفراوي حائل بين الذائقة وبين السكر ، فما أدرك مما أدرك إلا الصفراء وهي مرّة بلا شك ، وكذلك راكب السفينة يرى حركة ولكن قائمة على من في البر ، فرؤية الحركة صحيحة من الحس ولكن نسبتها إلى الخارج من حكم العقل ، وقد غلط في حكمه فلا ينسب الغلط أبدا في الحقيقة إلا إلى الحاكم لا الشاهد .
أما ترى في شرف الحواس أنه قال تعالى فيه :
« كنت سمعه وبصره . . . . »
« 1 » .
وما ذكر فيه القوى العقلية والروحية ، ولا أنزل نفسه تعالى منزلتها منزلة الافتقار إلى الحواس ، والحق لا ينزل منزلة يفتقر إلى غيره .
وأمّا الحواس فمفتقرة إلى اللّه لا إلى غيره ، فنزل لمن هو يفتقر إليه ولم يشرك به أحدا ، فأعطاها الغنى فهو يأخذ منها وعنها ، ولا تأخذ هي عن غيرها من القوى إلا من اللّه تعالى ، فاعرف شرف الحس وقدره وأنه عين الحق ، ولهذا لا تكمل النشأة إلا به ، فالقوى الحسيّة هم الخلفاء على الحقيقة في أرض هذه النشأة عن اللّه تعالى .
أما ترى أنه سبحانه وصف نفسه بأنه سميع بصير ، ولم يصف بأنه عاقل يفكر مخيّل ، وما أبقى له من القوى الروحانية إلا ما للحس مشاركة فيه ، كالحافظ والمصور فافهم حتى تعلم ترجيح جانب الحس عن الخيال ، ووجه اختيارنا الحس من بين القوى جعلنا اللّه وإيّاكم ممن مشي على مدرجته ، حتى يلحق بدرجته آمين .
وثانيهما : أي من الأصلين أنه لو كان يطلب التعبير ، ومعنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إلى أمر آخر ، فإن كان أخذ الكتاب من موطن الرؤيا لعبره رضي اللّه عنه ، فلما
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2384 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 10 / 219 ) ، وابن حبان ( 2 / 58 ) .