وإيضاح ذلك - كما قاله الشّيخ في الباب الرّابع والسّتّين وأربعمائة من " الفتوحات " « 1 » - أنّ المواطن تحكم بنفسها على كلّ من ظهر فيها ، فكلّ من مرّ على موطن انصبغ به ، قال : والدّليل على ذلك رؤية العبد للحقّ « 2 » في المنام الذي هو موطن الخيال ، فإنّك لا ترى الحقّ - تعالى - فيه إلّا في صورة مع كونه - تعالى - منزّها عن الصّورة ، فإذا كان حكم الموطن قد حكم عليك في الحقّ - تعالى - بما هو منزّه عنه ، ولا تراه إلّا كذلك ، فكيف بغيره ؟ ثمّ إنّك إذا خرجت من حضرة الخيال إلى موطن النّظر العقليّ لم تر الحقّ - تعالى - إلّا منزّها عن الصّورة التي كنت أدركتها في موطن الخيال ، وإذا كان الحكم للمواطن ، فأنت تعرف إذا رأيت الحقّ تعالى ما رأيت « 3 » ، وأثبت ذلك الحكم للموطن حتّى يبقى الحقّ - تعالى - لك « 4 » مجهولا أبدا ، فلا يحصل لك به علم « 5 » أبدا ؛ إذا لا يخلو من موطن تكون فيه يحكم عليك بحاله ، وما عندك من معرفته في موطن ينفد منك في موطن آخر ، فما عندك من العلم به - تعالى - ينفد ، وما عنده - تعالى - من علمه « 6 » بنفسه لا يتغيّر ، ولا يتبدّل ، ولا يتنوّع .
فإن قال قائل : فما محلّ النّوم من الأماكن ؟
فالجواب : محلّه ما تحت مقعر فلك القمر خاصّة ، هذا في الدّنيا ، وأمّا في الآخرة ، فمحلّه « 7 » ما تحت مقعر فلك الكواكب الثّابتة « 8 » ، وما « 9 » دون فلك القمر لا نوم ، وقد
هامش
- مسلم ، 13 / 34 ، وابن ماجة في السنن ، كتاب الجنائز ، 4 ، والترمذي في السنن ، تفسير سورة 3 ، وجامع الأحاديث القدسية ، كتاب الجهاد ( 250 ، 251 ، 252 ، 254 ) ، 1 / 267 .
( 1 ) عنوان هذا الباب " في حال قطب هجيره " لا إله إلا اللّه " . انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 7 / 130 .
( 2 ) " د " : " رؤية الحق للعبد " ، " ب " : " للّه " ، " ز " : " للحق تعالى " .
( 3 ) " أ " ، " ب " : " ما رأيت " ساقطة .
( 4 ) " ب " ، " د " : " لك " ساقطة . " ك " : " تعالى " ليست فيها .
( 5 ) " ك " ، " ب " : " علم به " .
( 6 ) " ك " ، " ب " : " من علم " .
( 7 ) " ك " ، " ب " : " فمحله عنده " .
( 8 ) الكلام مأخوذ من الباب الثامن والثمانين ومائة من الفتوحات المكية ، 4 / 14 .
( 9 ) " ب " : " وما " ساقطة ، والعبارة في الفتوحات : " وما فوق فلك الكواكب فلا نوم ، وأعني به هذا النوم الكائن المعروف في العرف " . انظر : الفتوحات المكية ، 4 / 14 .