فصاحب هذا العلم في حال شهوده ورؤيته لربّه يحكم بأنّه ما رآه ، ورؤيته صحيحة ؛ لأنّه ما رأى الحقّ - تعالى - إلّا بنور الحقّ ، وهي أكمل المرائي ، فصحّ قول أهل السّنّة والجماعة إنّ الحقّ - تعالى - يدرك بالبصر المنسوب إلى العبد على هذا الشّرط ، وهو عدم الإحاطة بحقيقة الكنه « 1 » ، فتفطّن يا أخي لهذه النّكتة ، فإنّها نافعة جدّا ، ذكره الشّيخ في " الفتوحات " في الباب الخامس والعشرين وأربعمائة « 2 » .
وقال في الباب الحادي عشر ومائتين « 3 » : اعلم أنّ قوله - تعالى - :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
« 4 » يحتمل معنيين : أحدهما أنّه نفى أن تدركه الأبصار على طريق التّشبيه على الحقائق ؛ أي : على معنى أنّ المدرك له - تعالى - ليس هو الأبصار ، وإنّما الإدراك أن يكون « 5 » للمبصرين بالأبصار . المعنى الثّاني : أن يكون المعنى لا تدركه الأبصار المقيّدة بالجارحة لضعفها عن مقابلة النّور الإلهيّ ، فعلم أنّ الأبصار إذا لم تتقيّد بالجارحة أبصرته - تعالى - بنوره الذي وقع فيه التّشبيه بالمصباح لا بنورها المقيّد الذي يقبل التّشبيه ، انتهى « 6 » .
وقال في " شرح ترجمان الأشواق " : إذا كان الحقّ - تعالى - قد تنزّه عن إدراك الوهم له الذي هو ألطف من الإدراك الحسّيّ ، فكيف لا يتنزّه عن إدراك البصر الذي هو
هامش
( 1 ) " د " : قوله : " وهو عدم الإحاطة بحقيقة الكنه " ساقط .
( 2 ) عنوان هذا الباب " في معرفة منازلة من طلب العلم صرفت بصره عني " . انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 7 / 54 ، وانظر قوله هذا هناك .
( 3 ) عنوان هذا الباب " في اللوائح " ، وفي مفتتحه يقول دالا على مضمونه :لوائح الحق ما تبدو لأسرار * من السمو ومن حال إلى حال
وقد تكون بما يبدو لناظره * من غير جارحة بالعلم والحال
من النعوت التي يعطيك شاهدها * دليلها أنها في الآل كالآلانظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 4 / 190 .
( 4 ) ( الأنعام ، الآية 103 ) .
( 5 ) " ك " ، " ب " ، " ز " : العبارة : " وإنما الإدراك يكون . . . " .
( 6 ) العبارة في هذا الباب : " وخرج قوله " لا تدركه الأبصار " على وجهين : الوجه الواحد أنه نفى أن تدركه الأبصار على طريق التنبيه على الحقائق ، وإنما يدركه المبصرون بالإبصار لا الأبصار ، والوجه الثاني : لا تدركه الأبصار المقيدة بالجارحة . . . " . انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 4 / 191 .