القيامة من قوم كما ورد ، ولا يكون في الشّهود إلّا الإقرار فقط ، وما سمّي الشّاهد شاهدا إلّا لكون ما رآه يشهد له بصحّة ما اعتقده ، فما كلّ مشاهدة رؤية « 1 » ولا عكس . قال - تعالى - :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
« 2 » ، أي يشهد له بصحّة ما اعتقده ، ومن هنا سأل موسى - عليه الصلاة والسّلام - الرّؤية بقوله « 3 » :
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
« 4 » ، ولم يقل : أشهدني « 5 » ؛ لأنّه - تعالى - كان مشهودا له ما غاب عنه ، وكيف يغيب عن رسول كريم ، ولا يغيب عن الأولياء كما في الدّار الآخرة « 6 » ، فما طلب موسى « 7 » إلّا التّجلّي الخاصّ بالرّؤية بالبصر كما في الدّار الآخرة ، وإنّ اللّه - تعالى - يعجّله له في دار الدّنيا « 8 » ، انتهى .
فإن قال قائل : كيف يصحّ من معصوم طلب ما لا يمكن « 9 » وقوعه في دار الدّنيا ؟ وذلك لا يليق :
فالجواب إنّما طلب ذلك ؛ لأنّ مقامه الشّريف أعطي ذلك ؛ أي السّؤال ، كما سيأتي بسطه في هذا المبحث إن شاء اللّه تعالى ، وأمّا شهوده للحقّ - تعالى - « 10 » كما يقع للأولياء فذلك خبره وديدنه من حيث ولايته ، ومن الفرق أيضا بين الرّؤية والمشاهدة أنّ المشاهدة هي « 11 » ما يمسكه العبد في نفسه من شاهد الحقّ - تعالى - « 12 » المشار إليه بقوله - صلّى اللّه عليه وسلم - : " اعبد اللّه كأنّك تراه " « 13 » ، فقوله : " كأنّك تراه " ، هو شاهد الحقّ
هامش
( 1 ) يقول محيي الدين في هذا الباب : " فكل مشاهدة رؤية ، وما كل رؤية مشاهدة " ، وهذا بخلاف ما ذكره الشعراني . انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 4 / 294 ، أما " أ " و " ب " و " ز " فقد جاء فيهما : " فما كل مشاهدة رؤية " ، ولعله سهو من الناسخين .
( 2 ) ( هود ، الآية 17 ) .
( 3 ) " أ " ، " ب " : " بقلبه " ، وهو تصحيف .
( 4 ) ( الأعراف ، الآية 143 ) .
( 5 ) " أ " ، " ب " : " أرني أشهدني " ، وهو تحريف .
( 6 ) " ك " ، " ز " : قوله : " كما في الدّار الآخرة " ساقط .
( 7 ) " د " : " موسى عليه الصلاة والسلام " .
( 8 ) " ك " ، " ز " : " في الدنيا " ، " ب " : " الدار الدنيا " .
( 9 ) " د " ، " ز " : " يعلم " .
( 10 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " للحق جل وعلا " .
( 11 ) " د " ، " ز " : " هو " .
( 12 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " تعالى " ليست فيها .
( 13 ) تقدم تخريجه .