وقال أيضا في الباب الثّامن والتّسعين ومائة « 1 » : إذا أراد الحقّ - جلّ وعلا - أن يري نفسه لعبد من عبيده أفناه بالتّجلّي عن شهود نفسه وعن الأكوان ، وجرّد روحه عنها ، فرأت الرّوح ربّها كما تراه الملائكة ، وإذا « 2 » أراد أن ينعّم عبدا « 3 » بالتّلذّذ برؤيته أرسل الحجب بينه وبين عبده « 4 » ، فوقع تلذّذ للعبد « 5 » برؤية ذلك المظهر الحجابيّ ، قال :
وهذه المسألة من علوم الأسرار ، وما أظهرتها باختياري ، وإنّما حكم بها الجبر الإلهيّ عليّ إيثارا لإظهار التّنزيه للّه ، والعلم اليقينيّ في هذه الدّار قبل كشف الحجاب « 6 » ، انتهى .
ويؤيّد قوله « 7 » - رحمه اللّه - في كتابه « 8 » " لواقح الأنوار " : اعلم يا أخي أنّ المشاهد يفنى « 9 » عند رؤية البارئ جلّ وعلا ، فيغيب عن حسّه وعن لذّته ؛ إذ النّفس أحديّة الذّات ، فليس في قدرتها أن تشتغل بمشاهدة أمرين معا « 10 » في آن واحد إلّا إن أمدّها اللّه - تعالى - بقوّة « 11 » فوق طور البشر ، فإذا لم يمدّها اللّه - تعالى - بالقوّة كانت متوجّهة بكلّيّتها لإدراك الرّؤية أو قبولها ، فعلم أنّ الحقّ - تعالى - لا يشهدك نفسه إلّا إن أفناك عنك ، وحينئذ « 12 » فلا يجد الخطاب محلّا يتوجّه إليه « 13 » ، فإذا كلّمك أوجدك ، ولم يفنك ؛ وذلك لأنّه لا بدّ لقبول الخطاب منك ، وإذا فنيت فمن يتوجّه الخطاب له ؟ فافهم ما
هامش
( 1 ) عنوان هذا الباب " في معرفة النفس " ، 4 / 29 .
( 2 ) " ك " ، " ز " : " وإن " .
( 3 ) " أ " : " عبدا " ساقطة ، " ز " : " عبده " .
( 4 ) " أ " ، " ب " ، " ز " : " وبين ربه " ، وهو سهو من الناسخين .
( 5 ) " د " : " التلذّذ للعبد " .
( 6 ) انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 4 / 143 ، وفيه يقول : " فيفنى الناظر المتجلي له عن شهود نفسه عند رؤية اللّه ، فإذا أرسل الحجاب ظهر الظل ووقع التلذذ ، . . . ، وهذا الفصل علم عظيم لا يمكن أن ينقال ولا سره أن يذاع " .
( 7 ) " ب " : " ويؤيد ذلك قوله " .
( 8 ) " ك " ، " ز " : " كتاب " .
( 9 ) " ب " ، " ز " : " يعني " ، وهو تصحيف .
( 10 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " معا " ساقطة ، والعبارة في " ز " : " أن تشتغل بمشاهدة هذه بأمرين . . . " .
( 11 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " بالقوة " .
( 12 ) " ب " : " حينئذ " ساقطة .
( 13 ) " ك " ، " ز " : " يتوجه عليه " .