العامّة الذين لم يصلوا إلى فهم التّنزيه من محظور ؛ كتشبيه وتمثيل ، ودليلهم في ذلك قول الحقّ - تعالى - « 1 » في حديث « 2 » مسلم وغيره : " جعت فلم تطعمني ، ومرضت فلم تعدني " إلى آخر النّسق « 3 » ، فإنّ الحقّ - تعالى - لمّا رأى عبده توقّف ، وقال : كيف أطعمك ، أو أعودك وأنت ربّ العالمين ؟ أوّل له ذلك وقال « 4 » : أما علمت أنّ عبدي فلانا جاع ، أما إنّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ، وقال في المريض : أما إنّك لو عدته لو جدتني عنده ، فاعلم ذلك ، والحمد للّه ربّ العالمين .
[ توهّم أنّ للحقّ تعالى قدمين ]
وممّا أجبت به من يتوهّم من حديث القدمين اللّتين تدلّتا « 5 » من العرش إلى الكرسيّ كما ورد أنّهما كقدمي الآدميّ ، وتعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، والجواب أنّ المراد بالقدمين هنا بإجماع أهل الكشف كلّهم أنّهما « 6 » قدما الأمر والنّهي ، ويعبّر عنهما أيضا بالخير والشّرّ اللّذين هما من أثر الأمر والنّهي « 7 » ، وكلاهما صحيح خلاف ما توهّمه المجسّمة « 8 » ، وإيضاح ذلك أنّ الكرسيّ تحت العرش كالسّلّم تحت الغرفة في العادة ، والعرش محلّ أحديّة الكلمة لغلبة الرّحمة فيه على الرّحمة التي في الكرسيّ بقرينة قوله - تعالى - :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) « 9 » ، فما ذكر الاستواء إلّا باسم
هامش
( 1 ) " ك " ، " ب " : " اللّه تعالى " .
( 2 ) " ب " : " دليل " .
( 3 ) أخرجه أحمد في المسند ، 2 / 404 ، وفيه : " مرضت فلم يعدني ابن آدم ، وظمئت فلم يسقني ابن آدم " ، ومسلم في الصحيح في كتاب البر والصلة ( 43 / 2569 ) ، 16 / 362 ، والطبراني في الأوسط ( 8722 ) ، 6 / 264 ، وجامع الأحاديث القدسية ، كتاب الإنفاق والصدقة ( 161 ) ، 1 / 186 .
( 4 ) " أ " ، " ك " ، " ز " : " وقال " ساقطة .
( 5 ) " ك " ، " ب " : " تدليان " .
( 6 ) " ك " : " أنهما هما . . . " ، " ز " : العبارة : " هما قدماه . . "
( 7 ) " د " : قوله : " ويعبر عنهما أيضا بالخير والشّر اللّذين هما من أثر الأمر والنهي " ساقط .
( 8 ) المجسمة والمشبهة هم الذين صرحوا بالتشبيه ، فلم يتعرضوا للتأويل ، وجعلوا معبودهم جسما له لحم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان وعينين وأذنين ، وهم فرق وشيع ، ولهم مقالات أتي على بعضها الشهرستاني في الملل والنحل ، 1 / 92 .
( 9 ) ( طه ، الآية 5 ) .