وكان سيّدي عليّ المرصفيّ - رحمه اللّه - « 1 » يقول : جميع الصّفات الواردة في كتاب اللّه « 2 » والسّنّة ممّا يقرب من التّشبيه كلّها معقولة المعنى لنا ، مجهولة النّسبة إلى اللّه تعالى ، يجب الإيمان بها ؛ لأنّه حكم حكم به الحقّ - تعالى - على نفسه ، وهو أولى ممّا حكم به العقل .
فإن قلت : فمن أين دخل الضّلال على المشبّهة ؟
فالجواب : دخل الضّلال عليهم من التّأويل وحمل ما جاء من الآيات والأخبار على غير وجهها من غير ردّ حكم « 3 » ذلك إلى اللّه عزّ وجلّ ، ولو أنّهم بحثوا عمّا يجب للّه - تعالى - « 4 » من التّنزيه في آيات الصّفات وأخبارها وترك القول بما يسبق منها إلى الأفهام ، ووكلوا علم ذلك إلى اللّه - تعالى - « 5 » ورسوله لأفلحوا ، وكان يكفيهم
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 6 » ، فمتى جاءهم حديث فيه تشبيه قالوا إنّ اللّه « 7 » قد نفى التّشبيه عن نفسه ، فما بقي إلّا أنّ ذلك الخبر له وجه « 8 » من وجوه التّنزيه ، وجيء بذلك الوجه لفهم العربيّ الذي نزّل القرآن بلسانه أنّك لا تجد قطّ لفظة في آية أو حديث إلّا وهي تحتمل عند العرب وجوها ، منها ما يؤدّي إلى التّشبيه ، ومنها ما يؤدّي إلى التّنزيه ، فلا يوجد لنا آية ، ولا حديث يكون نصّا في التّشبيه أبدا ، فحمل المتأوّل ذلك اللّفظ على الوجه الذي يؤدّي إلى التّشبيه ، ثمّ يأخذ في تأويله جور « 9 » على ذلك اللّفظ إذا لم يوفّه حقّه بما يعطيه وصفه « 10 » في اللّسان مع ما في ذلك من التّعدّي على حدود اللّه - عزّ وجلّ - بحمل صفاته على ما لا يليق به « 11 » .
هامش
( 1 ) " ك " : " رضي اللّه تعالى عنه " ، " ز " : " رحمه اللّه تعالى " .
( 2 ) " ب " : " في الكتاب " .
( 3 ) " ك " ، " ز " : " علم " .
( 4 ) " ب " : " تعالى " ليست فيها .
( 5 ) " ك " ، " ز " : " تعالى " ليست فيها .
( 6 ) ( الشورى ، الآية 11 ) .
( 7 ) " ك " ، " ز " : " اللّه تعالى " .
( 8 ) " أ " : " وجه " ساقطة .
( 9 ) " ك " ، " ز " : " أجور " ، وهو تحريف .
( 10 ) " أ " ، " ب " : " وصفه " ساقطة ، " ز " : " بوصفه " .
( 11 ) " د " ، " ز " : " بجلاله " ، والكلام مأخوذ بتصرف من الباب الثالث في الفتوحات المكية ، 1 / 148 .