نظرا يغيّبك عنّي « 1 » ، فتجهل ما خلقتك له ، فكن تارة وتارة ، وما خلقت « 2 » لك عينين إلّا لتشهدني بالواحدة « 3 » ، وتشهد ظلمتك بالأخرى ، انتهى « 4 » ، فقد بان لك بما قرّرناه الفرق بين فعل اللّه وفعل عباده ، وإن كان كلّ فعل في الوجود يرجع إلى اللّه - تعالى - « 5 » وحده ، والحمد للّه ربّ العالمين .
[ توهّم أنّ صفات الحقّ غيره ]
وممّا أجبت به من يتوهّم أنّ صفات الحقّ - تعالى - « 6 » غيره :
اعلم يا أخي أنّ النّاس قد اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا ، قال إمام المتكلّمين بالمغرب أبو عبد اللّه الكتّانيّ - رحمه اللّه - « 7 » : كلّ من تكلّف دليلا « 8 » على كون الصّفات الإلهيّة عينا أو غيرا فهو قاصر ، لكن من قال إنّها عين أكثر أدبا مع اللّه - تعالى - ممّن يقول إنّها " غير " ؛ لأنّ جميع الأسماء والصّفات الإلهيّة نسب وإضافات ترجع إلى عين واحدة ؛ لأنّه لا يصحّ هناك كثرة بوجود أعيان أخر كما زعمه بعض النّظّار « 9 » ، ولو كانت الصّفات الإلهيّة أعيانا زائدة وما هو إله إلّا بها لكانت الألوهيّة معلومة ، ثمّ إنّه لا يخلو أن تكون الصّفات عين الإله ، فالشّيء لا يكون علّة لنفسه ، أو لا تكون عينه ، فالحقّ - تعالى - لا يكون معلولا لعلّة ليست عينه ، فإنّ العلّة متقدّمة على المعلول بالرّتبة ، فيلزم من ذلك افتقار الإله من كونه معلولا لهذه الأعيان الزّائدة التي هي
هامش
( 1 ) " أ " : قوله : " عن شهود ظلمتك ، فتدّعي أنّك أنا ، فتقع في الغلط ، ولا تنظر إلى ظلمتك نظرا يغيبك " ساقط .
( 2 ) " د " : " وما جعل " .
( 3 ) " ك " ، " ب " : " بواحدة " .
( 4 ) انتهى الكلام الذي نسبه الشعراني للشيخ علي المرصفي ، وهو لمحيي الدين كما تقدم آنفا .
( 5 ) " ك " ، " ز " : " تعالى " ليست فيهما .
( 6 ) " ب " : العبارة : " صفات اللّه تعالى " .
( 7 ) هو محمد بن علي بن عبد الكريم ، الشهير بابن الكتاني ، من أهل فاس مولدا ووفاة سنة ( 577 ه ) ، عرف بزهده وإعراضه عن الدنيا ، كان غزير العلم بالفقه ، زاهدا متعبدا شاعرا ، له ترجمة في جذوة الاقتباس ، 137 ، والأعلام ، 6 / 280 .
( 8 ) " ب " : " دليلا " ساقطة .
( 9 ) " ك " ، " ز " : " النظام " .