عليه ، فلولا إطلاق التّكليف ما جعل نفسه - تعالى - « 1 » محاجّا لنا ، ولا عمل لنا معه مجلس حكم ، ولا ناظرنا تعالى ، وهذا من جملة إنصاف الحقّ - تعالى - عباده ليطلب منه النّصف ، انتهى « 2 » .
وقال في الباب السّابع والسّبعين والمائة في معنى قوله - تعالى - « 3 » :
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
« 4 » : اعلم أنّ في هذه الآية « 5 » أعظم دليل على أنّه - تعالى - ما كلّف عباده إلّا ما يطيقونه عادة ، ولم يكلّفهم بنحو الصّعود إلى السّماء بلا سبب ، ولا بالجمع بين الضّدّين ، ولو أنّه - تعالى - كان كلّفهم بذلك لما كان يقول :
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
، بل كان يقول " " فللّه أن يفعل ما يريد " ، كما قال :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
« 6 » ، في أصل القسمة « 7 » الأزليّة ، فهذا موضع " لا يسأل عمّا يفعل " .
وقال في باب الأسرار « 8 » : من احتجّ عليك بما سبق في علمه « 9 » فقد حاجّك بالحقّ ، لكنّها حجّة لا تنفع صاحبها ، ولا تعصم جانيها « 10 » ، ومع كونها ما نفعت سمعت وقيل بها ، وإن عدل الشّرع عن مذهبها ، فإنّه - تعالى -
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
( 23 ) ، ولكنّ أكثر النّاس لا يشعرون ، وأطال في ذلك ، ثمّ قال : ومثل التّلفّظ في هذه المسألة لا يكون جهارا ، ولا ينبغي التّكلّم بها إلّا إشعارا ، مع أنّه لو جهر بها لكانت
هامش
( 1 ) " ب " : العبارة : " ما جعل تعالى نفسه " .
( 2 ) انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 7 / 105 .
( 3 ) عنوان هذا الباب : " في معرفة مقام المعرفة " ، وقد افتتحه بقوله :من ارتقى في درج المعرفة * رأى الذي في نفسه من صفه
لأنها دلت على واحد * للفرق بين العلم والمعرفةانظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 3 / 447 .
( 4 ) ( الأنعام ، الآية 149 ) .
( 5 ) " ك " ، " ب " : " اعلم أن هذه الآية أعظم " .
( 6 ) ( الأنبياء ، الآية 23 ) ، وفي " د " و " ك " و " ز " : " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " .
( 7 ) " ب " : " القيامة " ، وهو تصحيف لا يستقيم .
( 8 ) انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 8 / 117 .
( 9 ) " ك " : " علمه تعالى " .
( 10 ) عبارة الفتوحات : " لا تنفع قائلها ، ولا تعصم حاملها " . انظر : الفتوحات المكية ، باب الأسرار ، 8 / 117 .