فإن قال قائل : فلم قال - تعالى - :
وَأُولُوا الْعِلْمِ
« 1 » ، ولم يقل : " وأولوا الإيمان " ؟ فالجواب أنّه إنّما قال - تعالى - ذلك دون أولي الإيمان ؛ لأنّ متعلّق الإيمان إنّما هو الخبر « 2 » عن وقوع أمر ، فيسمع المؤمن ذلك عن اللّه « 3 » ، فيؤمن به ، وإخباره - تعالى - عن نفسه بالتّوحيد ليس هو من إخبارنا ، فاستفدنا من إضافتهم إلى العلم دون الإيمان الإعلام من اللّه - تعالى - لنا بأنّ المراد بأولي العلم منّا هم أهل التّوحيد الذين حصل لهم ذلك من طريق العلم النّظريّ أو الضّروريّ لا من حصل له ذلك من طريق الخبر ، كأنّه - تعالى - يقول : وشهد الملائكة وأولو العلم بتوحيدي بما جعلته عندهم من العلم الضّروريّ الذي استفادوه من التّجلّي الواقع لقلوبهم ، وقام لهم مقام النّظر الصّحيح في الأدلّة ، انتهى .
فإن قال قائل : فلم عطف - تعالى - الملائكة وأولي العلم على نفسه بالواو ، وهو حرف يقتضي الاشتراك حتّى في الوقت ؟ والجواب : صحيح ذلك ، ولكن ، لا اشتراك إلّا في الشّهادة دون وقتها ؛ لأنّ شهادة الحقّ لم تكن في زمان ، واللّه أعلم .
[ توهّم جهة الفوق دون التّحت ]
وممّا أجبت به من يتوهّم من قوله - تعالى - :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) « 4 » ، ما يسبق إلى أذهان العوامّ من أنّه - تعالى - في جهة الفوق دون جهة التّحت ، والجواب أنّ ذلك إنّما يقع من جاهل باللّه عزّ وجلّ « 5 » ، أمّا العالم به - تعالى - « 6 » فلا يقع في مثل ذلك لاعتقاده جزما بأنّ حقيقته - تعالى - مخالفة لسائر الحقائق ، فليس استواؤه - تعالى - على عرشه كاستواء الخلق ؛ لأنّه يجب تنزيهه عن صفات المحدثات ، فلا يصحّ أن يكون الخالق كالمخلوق أبدا .
هامش
( 1 ) ( آل عمران الآية ، 18 ) .
( 2 ) " ك " ، " ز " : العبارة : " إنما هو الخبر بواسطة عن وقوع . . . " .
( 3 ) " د " : " عن اللّه " ليست فيها ، " ز " : " عن اللّه تعالى " .
( 4 ) ( طه ، الآية 5 ) .
( 5 ) " ك " ، " ز " : " باللّه تعالى " .
( 6 ) " ك " ، " ز " : قوله : " أمّا العالم به تعالى " ساقط .