ولكن لا يخفى أن من رحمة اللّه تعالى وشفقته على عباده أنه أذن لهم أن يدخلوا مكة قبل الوقوف لما علم عندهم من شدة الشوق ليحصل لهم التبريد لبعض أشواقهم ، لا من كلها ، إذ الحق تعالى لا يبدي لهم ما يطيقونه من عظمته ويخلع لهم الخلع إلا أن وقفوا بعرفة أولا ثم بالمزدلفة ثانيا ثم بمنى ثالثا ؛ فلا يزال العبد يقرب من مكة وهو يزداد تعظيما للّه تعالى حتى يدخل مكة والحرم ، فهناك يعرف كل أحد ربه بقدر مقامه ، فربما يكون أعلى مقام لنا في التعظيم يستغفر منه قوم آخرون .
وممن حجب عما قلنا للشيخ محيي الدين بن العربي رضي اللّه تعالى عنه وسع اطلاعه ، فقال الذي أقول به إنه لا يجب على المعتمر الخروج لأدنى الحل ليحرم بالعمرة ، لأنه قد وصل إلى الحضرة التي هي محل القرب ولا معنى للخروج .
قال : وأما قصة عائشة رضي اللّه عنها فإنما أمرت بالخروج لأنها كانت آفاقية ثم نفست فأمرت بالقضاء على صورة ما فاتها ا ه ، والجمهور على خلافه .
فدر يا أخي مع السنة ولا تدر مع كشفك أو عقلك ، فإن اللّه تعالى إنما جعل الأجر والثواب والدرجات لمن كانت أعماله تبعا لما شرعه تعالى ، وكأن لسان حال الشارع يقول : من لم يأت من الأمة إلى حضرتي من تلك الطريق البعيدة طردته ولم أمكنه من شهودي .
وتأمل يا أخي شأن الحق تعالى تجده أقرب إلينا من حبل الوريد ، ومع ذلك أسدل الحجاب بيننا وبينه ، حتى أننا رأيناه من حيث التنزيه أبعد من كل شيء ، فلما صرنا كذلك أمرنا بالسلوك ثانيا ، كالذي كان في مكان بعيد ثم رجع إلى محل القرب الذي كان مقيما فيه أولا ، فلا نزال سالكين والحجب ترفع حتى نعود إلى محل بروزنا من حضرة القرب ، فلو طلبنا أن ندخل حضرة القرب من غير سلوك لم يصح لنا ذلك .
وإيضاح ذلك أن تنظر يا أخي في حضرة الحق تعالى قبل أن يخلق المخلوقات كلها ، فتجد ليس هناك إلا اللّه تعالى ثم أنت ، ولا تقول بفناء الشاهد ، لأننا إذا نفينا أنفسنا فمن هناك يشهد الحضرة أو يتعقلها فافهم ، فلا يزال الحق تعالى كلما خلق واحدا أخذ الواحد مكانا في شهودك وبعد الحق في وهمك ، إذ لا حلول ولا اتحاد فلا تزال دائرة الخلق تتسع في الشهود وتنبسط بتكثر أفراد الوجود شيء بعد شيء ودائرة الحق تعالى تضيق في شهودك حتى لا تكاد ترى الحق تعالى أبدا ، لأنك إنما تشاهد خلقا ، حتى أن بعضهم لما اتسعت عليه الدائرة عطل فخسر الدارين ، فإنه ما زال يشهد دائرة الخلق تتسع وكل شيء وقف عقله عليه من جبل أو بحر أو فضاء ، يقول له نور الإيمان فما وراء ذلك ، فإذا قال سماء أو بحرا أو جبلا أو فضاء قال له : فما وراء ذلك ؟ فلما تاهت عقول المنزهين للّه تعالى هذا التوهان أوجب اللّه تعالى عليهم السلوك بأعمال مخصوصة
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية — صفحة 186
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٨٦