اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 330
كان هذا اللفظ قد يفهم منه في اللسان التوبيخ جاء لأجل ذلك بالعفو ابتداء ليتنبه العارف باللّه تعالى وبمواقع كلامه أنه لم يرد التوبيخ الذي يتوهمه من لا علم عنده بالحقائق انتهى . وقال في الباب الثامن والثلاثين من « الفتوحات » أيضا في قوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] : ذكر أهل التفسير أنه تعالى قدم له البشرى قبل العتاب ليطمئن فؤاده صلى اللّه عليه وسلم ، قال : والذي عندنا نحن من العلم الإلهي هذه الآية بشرى خاصة ليس فيها عتاب ، إنما هو استفهام لمن أنصف وأعطى كلام اللّه تعالى حقه في الفهم انتهى . ( فإن قلت ) : فما المراد بقوله تعالى في حقه صلى اللّه عليه وسلم ، عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [ عبس : 1 ، 2 ] إلى آخر النسق هل معناه : على ظاهره أم المراد به غير ذلك ؟ ( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الرابع وثلاثمائة : ليس ذلك العتاب على ظاهره وإنما نبه نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، على ما ذكره ليعلمه أنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم أكثر حضورا من الملوك . لأن رحمة اللّه تعالى لا تفارق الفقراء بخلاف الملوك . وإيضاح ذلك أن الحق تعالى يغار على عبده المنكسر القلب من أجل ربه أشد مما يغار لمن تظاهر بصفات العظمة ، فإذا حضر عندك ملك مطاع نافذا الأمر زائرا ثم إن فقيرا دخل عليك كذلك زائرا فأقبل على الفقير بالطبع فتأخر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، إلى خلف ولم يقطع صلاته وأخبر بذلك أصحابه وأما الولي فإن الشيطان يلقي إليه في فلبه وقد يسمع منه ما يحدث به نفسه فيطمع أن يلبس عليه حاله وأطال في ذلك [ الباب الرابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل المجاراة الشريفة وأسرارها من الحضرة المحمدية ] وقال في الباب الرابع والثمانين ومائتين : ينبغي للعارف إذا كان في مجلسه من لا يؤمن بكلام القوم ولا يفهمه أن لا يتكلم بشيء من الدقائق فإن سبق منه كلام دقيق على من ليس من أهل الطريق فالأدب منه أن يقول : إنما هذه عبارات أحوال ونطق حال لا نطق مقال كما تقول الأرض للوتد لم تشقني فيقول لها : الوتد على من يدقني وقال فيه : اعلم أن الفتح بعد المجاهدات والرياضات أمر لازم ، ولا بد منه تطلبه الأعمال وتناله الأنفس ولكن متى يكون ظهور ذلك الفتح هل هو الدنيا أم الآخرة ، ذلك إلى اللّه تعالى فإذا رأيت يا أخي عامل صدق أو عرفت ذلك من نفسك ولم تر يفتح لك في باطنك مثل ما فتح لمن رأيته على قدمك في العمل فلا تتهم ربك فإنه مدخر لك واطرح من نفسك التهمة في ذلك وفر من أن تكون من أهل التهم وقال قد يطلع اللّه الولي على ما تكنه القلوب فيعلم من الجليس جميع حركاته وسكناته من حين نفخت فيه الروح إلى وقت مجالسته ومع ذلك فلا يعرف هو ما في جيب نفسه لأن العارف إنما هو مع اللّه بحسب ما يطلعه . ( قلت ) : وقد شهد ذلك من الشيخ محيسن المجذوب بمصر رحمه اللّه ، فكان يخبر الشيخ بما فعله في صباه في أرض خلاف بلاده رضي اللّه عنه ، وأما شيخنا سيدي علي الخواص فسمعته يقول : لا يكمل الرجل عندنا حتى يعلم حركات مريده في انتقاله في الأصلاب وهو نطفة من يوم ألست بربكم إلى استقراره في الجنة ، أو النار . واللّه تعالى أعلم .