في عدم خروجه من السجن فأظهر صلى اللّه عليه وسلم ، ضعف حاله عن حال يوسف كما قال : نحن أولى بالشك من إبراهيم ، فإن يوسف اجتمع عليه حالان : حال السجن وحال كونه مفترى عليه وكل رسول يطلب أن يقرر في نفوس أمته ما يقبلون به دعاء ربه في كل ما يدعوهم إليه فكأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال لو كنت مكان يوسف لسارعت إلى الخروج طالبا للبراءة بجدالي عن نفسي لتثبت براءتي عند من أرسلت إليهم ويحتمل غير ذلك واللّه أعلم .
( فإن قلت ) : فما المراد بقوله تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ التوبة :
43 ] هل هو توبيخ كما فهمه بعضهم أو سؤال عن العلة مثل قوله تعالى لعيسى عليه الصلاة والسلام :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ
[ المائدة : 116 ] .
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة : أن ذلك سؤال عن العلة لا سؤال توبيخ لأن العفو قد تقدم ذلك ، وقوله : حتى يتبين لك إنما هو استفهام مثل قوله تعالى لعيسى ما تقدم ، كأنه تعالى يقول : أفعلت يا محمد ذلك حتى يتبين لك الذين صدقوا ، فإما أن يقول عند ذلك نعم ، أو لا . فإن العفو والتوبيخ لا يجتمعان لا سيما مع تقدم العفو في الذكر كما تقدم فإن من وبخ فما عفا مطلقا لأن التوبيخ مؤاخذة وهو تعالى قد عفا قال : ولما
شرح
بوجود اللّه لا بتوحيده ما تعرض للتوحيد فقال :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[ الأعراف : 172 ] . فأقروا له بالربوبية التي هي السيادة وأطال في ذلك . وقال في قوله تعالى :أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ( 2 ) [ التكاثر : 1 ، 2 ] . اعلم أن شهود الكثرة يوجب للعبد الجهل بنفسه وذلك لأن الروح لا يعقل نفسه إلا مع هذا الجسم محل الكم والكثرة ولم يشهد نفسه قط وحده مع كونه في نفسه واحدا ولا تعرف إنسانيته إلا مع وجود هذا الجسم ولا تعقل أحديته في ذاته أبدا وإنما تعقل أحدية الجنس لا الأحدية الحقيقية والذي يحصل له بالاكتساب أنه واحد في عينه علم دليل فكري لا علم ذوق شهودي كشفي وأطال في ذلك . ثم قال : واعلم أن الزيارة مأخوذة من الزور وهو الميل فمن زار قوما فقد مال إليهم بنفسه فإن زارهم بمعناها فقد مال إليهم بقلبه وشهادة الزور هي الميل إلى الباطل عن الحق وزيارة الموتى هي الميل إليهم تعشقا لصفة الموت أن تحل به فإن الميت لا حكم له في نفسه وإنما هو في حكم من يتصرف فيه ولا يتصور من الميت منع ولا إباية ولا حمد ولا ذم ولا اعتراض بل هو مسلم فمن وفي هذا المقام حقه فهو من رجال اللّه قال : وجملة الأمر أن يكون حيا في أفعاله الظاهرة والباطنة التي يتعلق بها التكليف ، ويكون ميتا بالتسليم لموارد القضاء عليه في كل شيء لا للمقضي واللّه أعلم .