عن كلمة كن ومنهم من أوجده بيديه ومنهم من أوجده ابتداء ومنهم من أوجده عن خلق آخر فطلبت العلم بتعيين وجه من هذه الوجوه فإذا أعلمني به اطمأن قلبي . قلت : وقد بسط الشيخ الكلام على ذلك في الباب الخامس والعشرين ومائتين ، واللّه أعلم . ولنرجع إلى المعنى الذي نحن فيه . قال الشيخ : فقلت له : يا أبت لم قلت
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
[ الأنبياء : 63 ] قال :
لأنهم كانوا قائلين بكبرياء الحق تعالى على آلهتهم التي اتخذوها فقلت له : فماذا أردت بإشارتك بقولك هذا ، قال لي : أنت تعلم المراد بها . فقلت : إني أعلم أنها إشارة ابتداء وخبره ، محذوف يدل عليه قولك :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ
[ الأنبياء : 63 ] إقامة للحجة عليهم . فقال عليه الصلاة والسلام : ما زدت على ما كان الأمر عليه . فقلت له : فما كانت خطيئتك في قولك :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
( 82 ) [ الشعراء : 82 ] .
فقال : هي نسبة المرض إلى نفسي في قولي :
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
( 80 ) [ الشعراء : 80 ] مع أنه في الحقيقة لم يمرضني إلا اللّه تعالى ، فهذا كان خطيئتي فكان في إضافة المرض إلى نفسي ثم طلب المغفرة من تلك الإضافة أدبان فقلت له : فلم قال تعالى في حقك :
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
[ البقرة : 130 ] فخص صلاحك بالآخرة وأطلق الصلاح لغيرك من الأنبياء في الدنيا والآخرة . فقال : لأن الصالح من شرطه أن لا يضيف إلى نفسه شيئا إلا بإضافة اللّه تعالى وقد أضفت إلى نفسي وغيرها ما ليس لها بغير إذن خاص من اللّه تعالى بقولي :
وَإِذا مَرِضْتُ
[ الشعراء : 80 ] وقولي :
إِنِّي سَقِيمٌ
[ الصافات : 89 ] . وقولي :
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
[ الأنبياء : 63 ] . فقلت : له يا أبت فما قولك في الأنوار الثلاثة فإنك معصوم عن اعتقادك فيها الألوهية في حين من الأحيان . فقال : إنما قلت ذلك إقامة للحجة على قومي ألا ترى إلى ما قال الحق تعالى في القرآن :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ
[ الأنعام : 83 ] وما كان اعتقاد قومي في الإله إلا أنه نمرود ولم تكن تلك الأنوار آلهتهم ولا كان نمرود إلها لهم وإنما كانوا يرجعون في عبادتهم لما نحتوه آلهة لا إليه ، ولذلك لما قلت :
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
[ البقرة : 258 ] لم يتجرأ نمرود أن ينسب الإحياء والإماتة إلى آلهتهم التي وضعها لهم لئلا يفتضح ، فقال :
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ
[ البقرة : 258 ] فعدل إلى نفسه تنزيها لآلهتهم عندهم حتى لا يتزلزل الحاضرون فقلت له : فلم عدلت إلى الأقرب في الحجة ، فقال : لأني علمت قصور
شرح
الأجل المسمى المذكور وإنما لم يجعل أجل الموت مسمى لأنه إذا نفخ في الصور صعق من في السماوات ، ومن في الأرض إلا من شاء اللّه فاستثنى طائفة لا يصعقون فلا يموتون ، وأطال في ذلك . وقال في الباب السادس والسبعين ومائتين في قوله تعالى :وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ[ المائدة : 66 ] . المراد بإقامة التوراة وما بعدها عدم تأويلها فمن أول كلام اللّه فقد أضجعه بعد ما كان قائما ومن نزهه عن التأويل ، والتعمل فيه بفكره فقد أقامه إذ الفكر غير معصوم من الغلط في حق كل أحد قال :
والمراد بقوله :لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ[ المائدة : 66 ] هو العلم الموهوبوَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ