المعاني وصحة الإيرادات عليه
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
[ مريم : 64 ] وغير الشارع بالعكس قال تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] . فعلم أن أهل كل دور رحمة على من بعدهم كما أن للتابع من الخلق المنة على متبوعه من السلف من حيث علمه بعلم متبوعه وكتابة ثواب ذلك في صحائفه فعلوم جميع الأمة المحمدية وعلمهم في صحائف سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لكن من غير منة عليه صلى اللّه عليه وسلم بخلاف غيره من المجتهدين وغيرهم فافهم .
فلمحمد صلى اللّه عليه وسلم المنة على المجتهدين ومقلديهم إلى يوم القيامة بإعطائهم المادة التي يستنبطون منها الأحكام وليس للمجتهدين منة عليه صلى اللّه عليه وسلم ، إنما لهم المنة على من قلدهم إلى يوم القيامة فلو لا التابع ما ظهر كمال المتبوع من الخلق في كل دور بحسبه فافهم وكذلك لولا بيان الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، ما أجمل في القرآن بأحاديث شريعته لبقي القرآن على إجماله إلى وقتنا هذا وما كنا عرفنا كيفية تأدية الصلاة ولا الطهارة ولا عرفنا نواقض الطهارة ولا عرفنا أنصبة الزكاة ولا شروطها ولا واجبات الصوم والحج ولا مفسدهما ولا كيفية العقود ولا المعاملات ولا غير ذلك مما هو معلوم ، وكذلك لولا بيان المجتهدين ما أجمل في الشريعة لمقلديهم لبقيت السنة على إجمالها وهكذا الكلام في كل دور بعدهم إلى يوم القيامة . يفصل كل دور ما أجمل في كلام من قبله ومن زعم أن المجتهدين عرفوا المجمل من القرآن بلا واسطة بيان السنة له فليأتنا بمثال ذلك ولعله لا يجده .
( وإيضاح ذلك ) : أنه ليس لتابع علم من غير دائرة علم متبوعه أبدا كما أن كشف الأولياء لا يتعدى كتاب نبيهم وسنته أبدا وبتقدير أنه يأتينا بعلم من طريق كشفه لا يجوز لنا العمل به إلا بعد عرضه على الكتاب والسنة وموافقته لهما ، وفي « سنن البيهقي » : أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما ولى شريحا القضاء قال له : انظر فما تبين لك في كتاب اللّه عز وجل صريحا فلا تسألن عنه أحدا وما لم يتبين لك في كتاب اللّه تعالى فاتبع فيه سنة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما لم يتبين لك في السنة فاجتهد فيه رأيك وإن شئت فآمرني ولا أرى مؤامرتك إياي إلا أسلم لك انتهى .
وقد تبرأ المجتهدون كلهم من القول في دين اللّه بالرأي كما أوضحنا ذلك في مقدمة كتابنا المسمى « بالمنهج المبين في بيان أدلة المجتهدين » وهو كتاب ما صنف في الإسلام مثله فراجعه . وملخص أقوالهم في ذلك أن البيهقي روى بسنده عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه
شرح
26 ] : سألت شيخنا عن هذه الزيادة فقال : ما لا يخطر بالبال وقال تعالى :فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ[ السجدة : 17 ] . فنكر ونفى العلم بما أخفى لهم من قرة أعين ، فعلمنا على الإجمال أنه أمر مشاهد لكونه قرنه بالأعين ولم يقرنه بالأذن ولا بشيء من الإدراكات وفي الحديث : « إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . فلا بد أن يكون غير معلوم للبشر ولا بد أن يكون للبشر صفة غير معلومة ولا معينة ليحصل لذلك الشخص الجزاء الذي لم يخطر على قلب بشر موازنة مجهول لمجهول . وقال : كل عمل لم يظهر له الشارع تعليلا من جهته فهو تعبد محض ، والعبادة مع عدم معرفة العلة أظهر من العمل المعلل فإن