المبحث التاسع والأربعون : في بيان أن جميع الأئمة المجتهدين على هدى من ربهم من حيث وجوب العمل بكل ما أدى إليه اجتهادهم وإثبات الأجر لهم من الشارع وإن أخطأوا
على ما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى واعلم يا أخي أن مبحث الجواب عن الأئمة يكتفي فيه بأي وجه كان وأما التحقيق فله مكان آخر فلا ينبغي الاعتراض علينا إذا بنينا هذا المبحث على القول المرجوح بأن كل مجتهد مصيب .
( وسمعت ) : سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : اعملوا على الجمع بين أقوال العلماء جهدكم فإن إعمال القولين أولى من إلغاء أحدهما وبذلك يقل تناقض أقوال العلماء ومن وصل إلى مقام الكشف وجد جميع الأئمة المجتهدين لم يخرجوا عن الكتاب والسنة في شيء من أقوالهم وشهدها كلها مقتبسة من شعاع نور الشريعة ، لأنهم على آثار الرسل ، سلكوا . فكما أنه يجب عليك يا أخي الإيمان والتصديق بصحة كل ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، مما يخالف شريعتك ظاهرا فكذلك يجب عليك الإيمان والتصديق بصحة ما استنبطه المجتهدون وإن خالف مذهب إمامك انتهى . وقد تتبعت بحمد اللّه أدلة المجتهدين فلم أجد فرعا من فروع مذاهبهم إلا وهو مستند إلى دليل إما آية أو حديث أو أثر أو قياس صحيح على أصل صحيح ، لكن من أقوالهم ما هو مأخوذ من صريح الحديث أو الآية أو الأثر مثلا ومنه ما هو مأخوذ من المفهوم أو مأخوذ من ذلك المأخوذ وهكذا فمن أقوالهم قريب وأقرب وبعيد وأبعد وكلها مقتبسة من شعاع نور الشريعة التي هي الأصل ومحال أن يوجد فرع من غير أصل .
( وإيضاح ذلك ) : أن نور الشريعة المطهرة هو النور الوضاح ، ولكن كلما قرب الشخص منه يجده أضوأ من غيره وكلما بعد عنه في سلسلة التقيد يجده أقل نورا بالنسبة لما هو أقرب من عين الشريعة وهذا هو سبب تفاوت أقوال علماء المذاهب وتضعيف بعضهم كلام بعض إلى
شرح
بمثل هذا السؤال وبهذه العبارة ولذلك لما أشارت إلى السماء قال فيها : إنها مؤمنة . يعني :
مصدقة بوجود اللّه ، ولم يقل إنها عالمة لأنها صدقت قول اللّه تعالى :وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ.
[ الأنعام : 3 ] ولو كانت عالمة لم تقيده بالسماء ، فعلم أن للعالم أن يصحب الجاهل في جهله تنزلا لعقله والجاهل لا يقدر على صحبة العالم بغير تنزل قال : وإيضاح ما قررناه في الأينية أن الشرائع كلها إنما نزلت بحسب ما وقع عليه التواطؤ في ألسنة الأمم قال تعالى :وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[ إبراهيم : 4 ] . ثم إن التواطؤ قد يكون على صورة ما هي الحقائق عليه وقد لا يكون والحق تعالى تابع لهم في ذلك ليفهم عنه ما أنزله من أحكامه وما