كشف وعيان .
وقد ألّف كل من الطائفتين كتبا لأهل دائرته ، فربما ظن من لا غوص له في الشريعة أن كلام إحدى الدائرتين مخالف للأخرى ، فقصدت في هذا الكتاب بيان وجه الجمع بينهما ليتأيد كلام أهل كل دائرة بالأخرى وهذا أمر لم أر أحدا سبقني إليه .
فرحم اللّه تعالى من عذرني في العجز عن الوفاء بما حاولته والتزمته ، فإن منازع الكلام دقيقة جدا ، وقد قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه لأبي إسحاق المزني : عليك بالفقه ، وإياك وعلم الكلام ، فلأن يقال لك أخطأت خير لك من أن يقال كفرت » « 1 » .
هذا وقد صدّر المؤلّف كتابه في بيان عقيدة الشيخ محيي الدين المختصرة ، المبّرئة له من سوء الاعتقاد من الوقاع عنه وتبيان الموسوس عليه ، مع ذكر نبذة من أحواله وتأويل كلمات أضيفت إليه مع إقامة العذر لأهل الطريق ، وبيان جملة من القواعد والضوابط التي يحتاج إليها من يريد التبحّر في علم الكلام ، وكيف أن اللّه واحد وهكذا . . . إلى إن ينتهي الكتاب ضمن واحد وسبعون مبحثا وأربعة فصول .
كما يعرّف المؤلف كتابه « الكبريت الأحمر » الذي يلي « اليواقيت » فيقول :
« وبعد فهذا كتاب نفيس انتخبته من كتابي المسمّى « بلواقح الأنوار القدسية » الذي كنت اختصرته من « الفتوحات المكية » خاص فهمه بالعلماء الأكابر وليس لغيرهم منه إلّا الظاهر ، قد اشتمل على علوم وأسرار ومعارف لا يكاد يخطر علمها على قلب الناظر فيه قبل رؤيتها فيه ، وقد سميّته ب « الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر » ومرادي بالكبريت الأحمر : إكسير الذهب ، ومرادي بالشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي رضي اللّه تعالى عنه .
أعني أن مرتبة علوم هذا الكتاب بالنسبة لغيره من كلام الصوفية كمرتبة إكسير الذهب بالنسبة لمطلق الذهب كما سنشير إلى ذلك بما نقلناه عن الشيخ رحمه اللّه في أبواب فتوحاته و « الكبريت الأحمر » يتحدث به ولا يرى لعزته .
واعلم يا أخي أنني قد طالعت من كتب القوم ما لا أحصيه ، وما وجدت كتابا أجمع لكلام أهل الطريق من كتاب « الفتوحات المكية » لا سيما ما تكلم فيه من أسرار الشريعة وبيان منازع المجتهدين التي استنبطوا منها أقوالهم .
فإن نظر فيه مجتهد في الشريعة ازداد علما إلى علمه ، واطّلع على أسرار في وجوه الاستنباط ، وعلى تعليلات صحيحة لم تكن عنده .
وإن نظر فيه مفسر للقرآن فكذلك ، أو شارح للأحاديث النبوية فكذلك ، أو متكلم فكذلك ، أو محدّث فكذلك ، أو لغوي فكذلك ، أو مقرىء فكذلك ، أو معبّر للمنامات
هامش
( 1 ) من مقدمة الكتاب الصفحة ( 15 ) .