تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نسمات الأسحار — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
الصلد ، ويدلك على ذلك عدم الائتمار بأمره ، والوقوف عند نهيه ، فتتلوا آية الغيبة والظن السيئ والسخرية ، وكأن المخاطب بها غيرنا ، والمشار إليه سوانا فحينئذ جلبنا اللعن إلى أنفسنا بظلمنا فصدق علينا ما ورد : « رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه » . وذلك واضح فإن اللّه تعالى قال :
أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
[ الأعراف : 44 ] . فيقرأ هذه الآية الإنسان المباشر للغيبة ، المعتكف على النميمة ، المستخف بخلق اللّه ، المعرض عن آيات اللّه ، ومن كان هذا وصفه فهو من الظالمين بدليل قوله تعالى :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
[ الكهف : 57 ] فتدبر كيف لعن القارئ نفسه بنفسه ، تاب اللّه علينا أجمعين وجعلنا من الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم والصابرين . فلنرجع إلى ما كنا من الكلام على قوله تعالى :
يا بَنِي آدَمَ
[ الأعراف : 27 ] فانظر كيف قال :
يا بَنِي آدَمَ *
أشار بذلك إلى التذكير بما جرى لأبينا من القدم بمساعفة هذا العدو اللعين ، كيف أخرجه من الجنة ، وأهبطه من المحل الأعلى والمقام الأسنى بغروره ، وتلبيسه وتسويله وتدليسه فأبدله من الراحة تعبا ، ومن الشبع سغبا ، ومن الرفعة ضعة ، فنبهنا مولانا بإضافتنا إلى أبينا على أن ما جاز على الوالد يجوز على الولد ، كيف وقد حصل له من العز والإكرام ، رفعة المقام ما لم يحصل لنا من سجود الملائكة ، وتعليم الأسماء ، إسكان الجنة وغير ذلك ، وقارفنا من المعاصي ما لم يقارف ، وخالفنا من الأوامر ما لم يخالف ، فإنه خالف أمرا واحدا نسيانا ، ونحن خالفنا أمور جمة تعمدا وطغيانا ، ثم صرح سبحانه وتعالى بما تضمنته إشارة الإضافة تصريحا بعد ما لوح به تلويحا حيث قال :
لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 27 ] ، وبين ذلك غاية التبين ، فقال :
يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما
[ الأعراف : 27 ] ، وشرح حال عدونا غاية الشرح كيلا تكون لنا على اللّه حجة فقال :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
[ الأعراف : 27 ] وقال في آية أخرى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
[ فاطر : 6 ] . وفي هذه الآية أسرار غامضة لا يعلمها إلا اللّه ، وكذلك جميع كلامه ومصداقه