وهذا العلم الخفي هو الذي أراده النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة باللّه فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار باللّه » « 1 » .
ثم قال : وأقسام ما يتقرب به إلى اللّه تعالى ثلاثة : علم مجرد : وهو علم المكاشفة .
ثم قال : المجاهدة تفضي إلى المشاهدة في دقائق علم القلوب ، ويتفجر منها ينابيع الحكمة من القلب .
أما الكسب والتعليم فلا يفي بذلك بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد ، إنما ينفتح بالمجاهدة والمراقبة ، ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة ، والجلوس مع اللّه في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكر ، والانقطاع إلى اللّه عما سواه ، فذلك مفتاح الإلهام منبع الكشف ، فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمه ، وكم من مقتصر على المهم في التعلم ، ومتوفر على العمل ، ومراقبة القلب ، فتح اللّه له من لطائف الحكم ما تحار فيه عقول ذوي الألباب ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما علم ورثه اللّه تعالى علم ما لم يعلم » « 2 » .
فكم من معان دقيقة من أسرار القرآن تخطر على قلب المتجرد للذكر والفكر تخلو عنها كتب التفاسير ، ولا يطلع عليها أفاضل المفسرين ، وكذلك في علوم المكاشفة ، وأسرار علوم المعاملة ، ودقائق خواطر القلوب ، فإن كل علم من هذه العلوم بحر لا يدرك عمقه ، وإنما يخوضه كل طالب بقدر ما رزق ، وبحسب ما وفق من حسن العمل ، وفي وصف هؤلاء العلماء قال على - كرم اللّه وجهه - في حديث طويل :
هامش
( 1 ) في ( 1 / 210 ) .
( 2 ) سبق تخريجه .