وكقولهم عندما رأوا أنه تعالى لا يخلو شيء عنه أن العارف لا يكون عارفا حتى يرى هوية الحق سارية في كل شيء ، أي : بلا سريان بعد فناء كل شيء في العيان .
ومن هنا قال الصديق الأكبر رضي اللّه عنه : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله أو بعده أو فيه » ، كما نقل عنه ذلك ثقات هذه الطائفة ، وهذا بظاهره حلول كما أن الأول بظاهره صفة وأمر اعتباري ، وكقول الشيخ الأكبر عندما رأى أن كل شيء لا بدّ وأن يرجع بباطنه إلى الحق شعرا « 1 » :
الربّ حقّ والعبد حق * يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك ميت * أو قلت رب أني يكلف
وهذا بظاهره اتحاد وشرك ؛ فبهذا وأمثاله غلط من غلط ، وهم قسمان : متصوفة مشغوفون بمطالعة كتب القوم ، ويتكلمون بما يتكلمون به ، وهم جهلة لا يدرون مبادئ العلم ، فضلا عن مقاصده ، ويزعمون أنهم على الحاصل ، وهم على الفايت ، وهؤلاء هم الجهلة المارقون من الدين ، يصدق عليهم قوله تعالى :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
[ الأعراف : 179 ] ، ومثل هؤلاء يكونون علة غائية للتكلم ، والاعتراض على القوم .
والقسم الثاني : من هو من أهل العلم إلا أنهم ليس لهم هذا المشرب العذب ؛ فيسمع كلاما ظاهره الحلول أو الاتحاد أو أنه مخالف لظاهر الشريعة في الجملة ؛ فيقول على القوم بحسب ما ظهر له من كلامهم : إنهم حلولية أو اتحادية أو إباحية أو وجودية أو زنادقة ، وحاشا مقامهم من ذلك .
هامش
( 1 ) انظر : الفتوحات المكية ( 2 / 177 ) .