خاتمة في وجوب متابعة النبي صلى اللّه عليه وسلّم وخطر متابعة النفس
اعلم أن متابعته صلى اللّه عليه وسلم موجبة للتحقّق بمعرفة الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم هو المظهر الأتم بالفعل ، والنفس المظهر الأتم بالقوة ، ومن شأن المظهر الأتم بالفعل أن يأخذ فيض المظهر بلا واسطة ، والمظهر بالقوة يأخذه بواسطة ، فثبت بذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم كامل البصيرة ، ومعدن الحكمة الإلهية .
والنفس كالأعمى ؛ لكون الكمال ليس فيه بالفعل ، والأعمى محتاج في سيره إلى الاستعانة بغيره ؛ خوفا من السقوط في وهدة ونحوها ، فكيف حال متابعه وهو مثله ؟
وكيف حال تابع التابع وهو مثلهما ؟
فالأعمى الأول مثال الحكماء ، والثاني مثال بعض طلبة زمننا فإنهم يعتقدون أن مرتبة الحكماء فوق ، ويليها مرتبة الأنبياء ، فويل لهم ما أشد غباوتهم وأقبح جهالتهم ، وقد قال تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] .
نعم لا بأس بمطالعة كلام الحكماء ؛ لزيادة العلم غير أنه ممتنع على من نحوه ذلك إلى فرط الاعتقاد فيهم ، ثم اعلم أنهم عرّفوا الحكمة بأنها علم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر ، ثم إنهم لم يبيّنوا حقيقة النفس الناطقة ؛ بل عرّفوها بالعوارض ، وتعريف الشيء بها لا يفيد معرفته على ما هو عليه ، كما هو واضح في الواجب ، فبطل تعريف الحكمة .