المغسل له وإرسالها بعد كلامه ، وما ذكرته من أنّ الأرواح لا تفنى هو مذهب أهل الحق ، وهي باقية في منازلها في الخير والشر في البرزخ إلى أن يعيدها إلى الأجسام يوم القيامة والميت يحيا في قبره للسؤال ويسمع خفق نعال المنصرفين عن قبره ، فإن كان من السعداء فسح له في قبره سبعون ذراعا ، وإن كان من الأشقياء ضيق عليه كالزج في القنا ثم يصير ترابا وروحه باقية كما قلنا ، ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا بكر أحمد بن محمد الطرسوسيّ يقول : سمعت إبراهيم بن شيبان يقول : صحبني شاب حسن الإرادة فمات فاشتغل قلبي به جدا وتوليت غسله ، فلما أردت غسل يديه بدأت بشماله من الدهشة ) التي حصلت لي بموته ( فأخذها مني وناولني يمينه فقلت ) له :
( صدقت يا بني أنا غلطت ) الكرامة في ذلك ظاهرة ، وفيه حفظه للغاسل والمغسول ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا النجم المقريّ البرذعيّ بشيراز يقول : سمعت الرقيّ يقول : سمعت أحمد بن منصور يقول : سمعت أبا يعقوب السوسيّ يقول : جاءني مريد بمكة فقال ) لي : ( يا أستاذ أنا غدا أموت وقت الظهر فخذ هذا الدينار واحفر لي بنصفه وكفني بنصفه الآخر ، ثم لما كان الغد جاء وطاف بالبيت ثم تباعد ) عنه ( ومات فغسلته وكفنته ووضعته في اللحد ففتح عينيه فقلت ) له : ( أحياة بعد موت فقال ) لي : ( أنا حي وكل محب للّه تعالى حي ) إذ المحب له تعالى هو من جاهد نفسه في قربه ، وهان عليه بذلها لنيل حبه وفيما ذكر كرامات ظاهرة . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ يقول : سمعت محمد بن الحسن البغداديّ يقول : سمعت أبا علي بن وصيف المؤدب
شرح
( قوله : لقوله تعالى :وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً) [ آل عمران : 169 ] أي فهو كلام مستأنف مسوق لبيان أنّ القتل الذي يحذرونه ليس مما يحذر بل هو من أجلّ المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون أثر بيان أنّ الحذر لا يغني ولا يجدي ، والمراد بهم شهداء أحد وكانوا سبعين رجلا أربعة من المهاجرين وباقيهم من الأنصار رضوان اللّه تعالى عنهم أجمعين ، والخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو لكل أحد ممن له حظ من الخطاب أي ولا تحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا على أنّ المراد من توجيه النهي تنبيه السامعين على أنّهم أحقاء بأن يسلوا بذلك ويبشروا بالحياة الأبدية والنعيم المقيم ، وذلك عند ابتداء القتل إذ بعده يتبين حالهم لهم ، وقوله :بَلْ أَحْياءٌأي بل هم أحياء وقرىء بالنصب أي بل أحسبهم أحياء على أنّ الحسبان بمعنى اليقين ، وقوله :يُرْزَقُونَأي في الجنة تأكيد لكونهم أحياء ، روي أنّ الأرواح ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتسرح في الجنة حيث شاءت ، وفي ذلك دلالة على أنّ روح الإنسان جسم لطيف لا يفنى بخراب البدن ، ولا يتوقف على البدن إدراكه وتلذذه .
( قوله : وفيما ذكر كرامات ) أي حاصلة بإخباره عن وقت موته ، وفتح عينيه وكلامه