أي فعافاني اللّه في الحال ببركته مع الاضطرار ( قال : فمضينا لنطلب الصبي فإذا الأبواب مغلقة كما كانت ولم نجد الصبي ) لطيرانه في الهواء أو لاختفائه عنا ( فقال أبي : فمنهم ) أي الأولياء ( صغير ومنهم كبير ) ، في ذلك كرامات لا تخفى ، ودلالة على أنّ هذا الصبي كان وليا وأنّه كان يأكل من كسبه ، وأنّه إذا حمل مرة لا يحمل ثانية ، وأنّه لما زهد في أجرته وهان عليه تركها لأجل الصلاة لما أذن المؤذن أثر صدقه في أصحاب السمك حتى تركوه وصلوا معه ، والسمك مكانه لم يصبه شيء .
( سمعت محمد بن الحسين يقول : حدثنا أبو الحرث الخطابيّ قال : حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا علي بن مسلم قال : حدثنا سعيد بن يحيى البصريّ قال : أتيت عبد الواحد بن زيد وهو جالس في ظل فقلت له : لو سألت اللّه تعالى أن يوسع عليك الرزق لرجوت أن يفعل ) لك ذلك في هذا الذي قاله : دخول فيما لا يعنيه لكن حسن خلق عبد الواحد حمله على أن لا يؤاخذه ( فقال ) له : ( ربي أعلم بمصالح عباده ، ثم أخذ حصى من الأرض ثم قال : اللهم إن شئت أن تجعلها ذهبا ، فإذا هي واللّه في يده ذهب فألقاها إلي ) ليعرفني أنّ اللّه على كل شيء قدير ( وقال ) لي : ( أنفقها أنت فلا خير في الدنيا إلا ) أن تكون ( للآخرة ) للعون عليها عرفه بذلك أنّ الغنى حقيقة من استغنى باللّه لا بالمال لأنّ من استغنى به تعالى فعل له ما يحبه ، فلهذا صار الحصى في يده ذهبا تصديقا للمقال بالحال وسلمه إلى سائله لينفعه لفقره وحاجته إليه .
( سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفيّ يقول : قال لي أستاذي أبو يعقوب السوسي :
غسلت مريدا ) من مريدي ( فأمسك إبهامي وهو على المغتسل فقلت ) له : ( يا بني خلّ يدي أنا أدري ) أي أعلم ( أنّك لست بميت ) بمعنى أنّ روحك تفن بل هي باقية كسائر الأرواح لا بمعنى أنّها لم تفارق جسمك ، وإلا لم يجز له تغسيله ودفنه ( وإنما هي ) أي إزالتها من جسمك ( نقلة من دار إلى دار فخلى يدي ) الكرامة فيه إمساك الميت يد
شرح
( قوله : فمنهم صغير ومنهم كبير ) أقول : حيث كان المتفضل على كافة العبيد من لا يسأل عما يفعل ، وهو بمصالح الخلق أعلم وأحكم ، فلا يقال حينئذ : كبير ولا صغير لأنّ رب الجميع على كل شيء قدير . ( قوله : لكن حسن خلق الخ ) أي وشيمهم رضي اللّه تعالى عنهم تحمل الأذى الصادر من غيرهم . ( قوله : غسلت مريدا الخ ) المريد هو الساعي بالصدق المجدّ إلى حضرة الحق أو هو المختطف من الخلق إلى حضرة الحق أو هو من سبقت مجاهدته مكاشفته وعلمه جذبه ، وبالعكس المراد ، فالمريد محب والمراد محبوب ،كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ[ الإسراء : 20 ] فافهم .
( قوله : إنّك لست بميت ) أي من غير كرامة وفعل ناقض للعادة ، وقوله : بمعنى أنّ روحك لم تفن فيه أنّ ذلك غير خاص به كما أشار إليه الشارح .