( فقال له أبوه : ) كلاما يعرفه به أصله ( و ) ( تدري بكم اشتريت أمك ) اشتريت ( بثلاثمائة درهم وأبوك لا أكثر اللّه مثله في المسلمين أبا وأنت ) أي والحالة أنك ( تمشي هذه المشية ) ليس هذا منه دعاء على المسلمين بل في كلامه إشارة إلى التقصير في تأديبه لولده في الصغر حتى تبختر في مشيه في الكبر ، والمعنى لا أكثر اللّه فيهم مثله من الآباء الذين لا يؤدبون أولادهم في الصغر حتى يتعوّدوا ذلك في الكبر ، فهو دعاء للمسلمين بأن يجعلهم اللّه ممن يؤدّبون أولادهم كما أمروا به .
( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أحمد بن محمد الفرّاء يقول :
سمعت حمدون القصار يقول : التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة لا في الدين ولا في الدنيا ) بأن لا ترى لنفسك قدرا ولا فعلا مع علمك بأنّ مولاك منفرد بالأفعال ، فإن حمدون بعجز نفسه ، وبقدرة مولاه ، وبأنّه لا ضارّ ، ولا نافع ، ولا معطي ، ولا مانع له ولغيره إلا إياه ، فمن استقر ذلك في قلبه عرف عدم احتياج الناس إليه .
( وقال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه : ما سررت في ) زمن ( إسلامي إلا ثلاث مرات مرة كنت في سفينة وفيها رجل مضحاك ) أي كثير الضحك منه ( كان يقول : كنا نأخذ العلج ) وهو الرجل من الكفار ( في بلاد الترك هكذا ، وكان يأخذ بشعر رأسي ويهزني ) ويقول : ذلك ( فيسرني ذلك لأنه لم يكن في تلك السفينة أحد أحقر في عينه مني ) حتى فعل بي ذلك ( و ) المرة ( الأخرى كنت عليلا ) أي مريضا ( في مسجد ) في ليلة مطيرة ( فدخل ) إلي ( المؤذن وقال لي اخرج فلم أطق ) الخروج ( فأخذ برجلي وجرني إلى خارج المسجد ) فطلبت موضعا أستكن فيه فأتيت إلى قميم حمام أي
شرح
بين ذلك من العجز عن جلب ما ينفع ، ودفع ما يضر وإلا فما كان له سبيل سوى التواضع .
( قوله : إشارة إلى التقصير الخ ) أي لأنّ من أدب ولده صغيرا سر به كبيرا . ( قوله :
التواضع أن لا ترى الخ ) مراده حث الإنسان على فنائه عن نفسه بما ظهر من أفعال الحق على يدها من حاجات الخلق ليدوم عبدا للّه مشاهدا تصاريفه فيه ، وفي غيرهوَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ[ القصص : 68 ] . ( قوله : بأن لا ترى لنفسك قدرا الخ ) أي بل ترجع : في جميع ما تراه من الكائنات إلى أنها مظاهر أسمائه تعالى وصفاته لا تأثير لغيره فيها ،وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ[ الأنعام : 112 ] . ( قوله : وقال إبراهيم بن أدهم : الخ ) أقول : يدل ذلك على أنه قد تجرد عن حظوظ البشرية بشهود تصاريفه تعالى في عبيده بل ربما ترقى عن ذلك إلى درجة شهود الفاعل على الحقيقة في الفعل ، فسر