يقول : سمعت هاشم بن خالد يقول : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب ) لأن الخوف درجات ، ومن انتقل إلى مقام شريف لم يحذر مما يفسده عليه أو لا يكمله أو لا يرقيه إلى ما هو أعلى منه فسد عليه ما هو فيه ، فلا يستغني مقام عن الخوف لكن شتان ما بين خوف العذاب ، وخوف العتاب ، وخوف الحجاب ، وخوف فراق الأحباب ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن يقول : سمعت أبا عثمان يقول : صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا ) لأن الورع هو تجنب ما يحذر ، فكل خوف لا يثمر تجنب الخوف ، فليس بخوف صحيح ( وقال ذو النون ) المصري : ( الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف ، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق ) لما مرّ أن الخوف لا يستغني عنه مقام . ( وقال حاتم الأصم : لكل شيء زينة وزينة العبادة الخوف ) إذ لا تكمل عبادة وتحفظ مما يشينها إلا بالخوف ( وعلامة الخوف قصر الأمل ) لأن من قصر أمله حسن عمله لخوف هجوم موته ، وهو ينفع العاصي حيث يتخلص من
شرح
حضره كما ذكرنا ، وإلا فهو على بساط الأنس لا يبقى للخوف في ساحته وجود ، واللّه أعلم . ( قوله : ما فارق الخوف الخ ) أقول : هو باعتبار حال العامة ، ولذا قيل في قوله تعالى :وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ[ الشورى : 26 ] إن عذاب المؤمنين غير شديد بخلاف الكافرين لأنهم ما شاهدوا المعذب بكسر الذال المعجمة في العذاب بخلاف المؤمنين ، فالعذاب على شهود المعذب عذب ، والثواب على الغفلة عن المنعم صعب ، فالخوف من منازل العوام ، وإنما للخواص الهيبة ، وهي أقصى درجة يشار إليها في الخوف لأن الخوف يزول بالأمن ، ولا كذلك هي ، فهي تنافي الخوف في ذلك ، والحاصل أن الغرض بما ذكر الحث على دوام العبد على الخوف ليدوم له صدق العمل ، حيث هو السائق ، وقد أشار الشارح إلى أن الخوف مختلف باختلاف مقامات الخائفين ، فمنهم من يخاف العقاب لبقاء نفسه ، ومنهم من يخاف العقاب والحجاب ، وذلك باعتبار من ترقى إلى درجة المشاهدات ، ومنهم من ترقى عن ذلك إلى درجة المعاينات والمكافحات ، فيخاف فراق الأحباب ، وكل هذا باعتبار حال العامة ، أما باعتبار حال الخاصة فكل ذلك نقص عندهم وتفرق لفنائهم عما سواه تعالى ، وجمع همتهم عليه فافهم . ( قوله : صدق الخوف هو الورع ) أي ثمرته الورع عن المخالفات .
( قوله : الناس على الطريق ) أي على طريق الإستقامة ما لم يزل عنهم الخوف أي مدّة عدم زواله ، فإذا أزال عنهم الخوف فقد ضلوا عن الطريق وخرجوا عن الإستقامة .
( قوله : وزينة العبادة الخوف ) أي لأنه به يتحقق التخلي عن قاذورات المخالفات ، وبذلك تحفظ الزينة عما يشينها من الدنس . ( قوله : وعلامة الخوف قصر الأمل ) أي لأنه هو