مقامه فيه ، وكونه استعان به على خلاصه من المكروهات ونشط به في الطاعات ، فوقوفه معه مع استحسانه له حجاب بينه وبين ربه بمعنى أنه منعه من انتقاله إلى ما هو أعلى منه ، وأقرب إلى ربه . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت محمد بن علي النهاوندي يقول : سمعت إبراهيم بن فاتك يقول : سمعت النوري يقول : الخائف يهرب من ربه إلى ربه ) أي : من معصيته إلى طاعته ، ومن سخطه إلى رضاه إذ لا مهرب من اللّه إلى غيره كما مرّ ( وقال بعضهم : علامة الخوف التحير ) أي : القلق في أسباب النجاة والفكرة في الخلاص مما يوجب العقاب ( والوقوف على باب الغيب ) ومن لازم بتذلله الباب رجى له نيل الثواب فضلا عن خلاصه من العقاب . ( سمعت أبا عبد اللّه الصوفي يقول : سمعت عليّ بن إبراهيم العكبري ) بضم العين والباء ( يقول : سمعت الجنيد يقول : وقد سئل عن الخوف فقال : هو توقع العقوبة مع مجاري الأنفاس ) أي : أزمنتها لأن الخوف يرفع عن القلب الحجاب ، وينيله المراقبة برضا الأكرم الوهاب . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت الحسين بن أحمد الصفار يقول : سمعت محمد بن المسيب
شرح
الخوف إلا أنها تخرج عما هو أكمل منه من المقامات المطلوب من العبد منازلتها ، ومحصل ذلك الحث على علوّ الهمة بالانتقال عن مقام الخوف إلى ما هو أعلى منه ، فتدبره بإنصاف .
( قوله : قال والأولى الخ ) أقول : هو وجيه أيضا كالذي قبله . ( قوله : الخائف يهرب من ربه ) أي لأنه لا يرى فاعلا غيره تعالى ، فهو إذا خاف شيئا هرب منه إليه بخلاف الجاهل الذي يخاف بجهله غيره . ( قوله : علامة الخوف التحير ) أقول : التحير من لوازم الخوف ومن ثمراته ، لأنّ شأن الخائف دوام التحير فيما به خلاصه ، ووقوفه على باب غيب الأمان بوسايط سر القبول ، فيدوم على شهود الجلال عسى أن يحظى بمظاهر الجمال . ( قوله : والوقوف على باب الغيب ) أي لاستمطار الرحمات الربانية من طريق الفضل والإحسان . ( قوله : فقال هو توقع العقوبة الخ ) أقول : لعل ذلك باعتبار حال من حضره وإلا فمقامه البسط بالمشاهدات لا القبض بالخوف ولذا حكي أنّ الشبلي رأى قوما مجتمعين على شاب بسط ، وضرب مائة سوط فما استغاث ولا تألم ، مع كونه نحيل الجسم ، ثم بعد ذلك ضرب سوطا واحدا فاستغاث وتألم ، فتعجب الشبلي من حاله فتبعه وسأله عن صبره على المائة وصياحه وتألمه من سوط واحد ، فقال له : يا أخي العين التي كنت أعاقب من أجلها كانت في المائة ناظرة إليّ فكنت التذ لاستغراقي في مشاهدتها ، وفي السوط الأخير احتجبت عني فبقيت مع نفسي فتألمت اه .
فلما كان مثل الطبيب يداوي كل أحد بما يناسبه ، قال ما تقدّم باعتبار حال من