حل معمّى اللغز : قال عارف « 1 » :
توضّأ بماء الغيب إن كنت ذا سرّ * وإلا تيمّم بالصعيد وبالصخر
وقدّم إماما كنت أنت إمامه * وصلّ صلاة الفجر في أول العصر
فهذي صلاة العارفين بربهم * فإن كنت منهم فانضح البرّ بالبحر
قلنا : الوضوء هنا : طهارة أعضاء الصفات القلبية من النجاسات المعنوية بماء غيب التوحيد الذي ليس على تطهيره من مزيد ، ويريد به توحيد العيان ، فإن لم تجده فتطهر بصعيد البرهان ، وقدّم إماما كان في يوم الخطاب ، ثم صرت أنت إمامه بعد سدل الحجاب ، وصل صلاة الفجر : أي صلاة نهار كشف شهودك بعد حجاب ظلمة وجودك في أول العصر : أي في أوّل زمان العمر .
تجرّد بفقرك ولا تتأخر عن دورك ؛ لأن الحكم للوقت والتوقيت له مقت ، هذا في صلاة المحققين العارفين بربهم الذين لا يخرجون عن متابعة الأحكام الشرعية في جميع مشاهد شهود الربوبية ؛ فإن كنت منهم وقمت بآدابهم ، فانضح البرّ بالبحر : أي غسيل بماء بحر الحقيقة ما تدنس من بدنك في برّ الشريعة .
ما نال من جعل الشريعة جانبا * شيئا ولو بلغ السماء مناره
فتح طلسم الكنز : قال لسان الوارد : هذه نجوم فرائد طلعت بسماء فوائد ، وأشرقت بشموس مشاهد .
اعلم أيها المشاهد أن الجلال والجمال هما غيب ظاهر ما يبدو عنهما في كل حضرة من حضرات التلوين والتكوين ، وأطوار تجليات التعيين .
مثال ذلك في التلوين في أطوار البشرية الكاملة الموصوفة بالنبوة والرسالة ظهور خوف الإجلال للجلال ، ومحبة الجمال للاتصال ، وفي طور الولاية ظهور خوف العاقبة لعدم العصمة ، ورجاء القرب للكرم الواسع والرحمة .
فلهذا يكون الولي فيها محرر اللسان ، ميزان سيره بين الخوف والرجاء ؛ حذرا من نقصان إحدى الكفتين ؛ لأن بهاتين الكفتين يصير له جناحان بهما يطير على سلسلة الاستقامة في الدنيا ، ويسرع في صراط الامتحان في الآخرة ، وحكمة ظهورهما تختلف
هامش
( 1 ) الإمام الجنيد ، وقد شرح هذه القصيدة الشيخ ابن عجيبة .