الفرقة الثالثة
وهم الذين لم يوطنوا الأشياء مواطنها ، ووقفوا مع ظواهرها ، وتركوا بواطنها ، فلا حاجة إلى الاستشهاد بالآيات البينات على قبائحهم ، ولا بالأحاديث الصحيحات على فضائحهم ، إذ القرآن مشحون بهتك أستارهم ، والحديث مسنون بكشف أسرارهم كقوله تعالى :
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
[ يونس : 39 ] .
وقوله تعالى :
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
[ الأحقاف : 11 ] .
وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه ، فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة باللّه » « 1 » .
لأن البراهين القاطعة ، والحجج الساطعة ، مسلطة مع الظواهر بغير لبس ، وليس الأمر عند العلماء الراسخين بالعكس ، فالحكم المعتاد مطروحا بين العبد ؛ لأن لكل قوم لسانا واصطلاحا في سيرهم تفردوا وتميزوا عن غيرهم ، فإذا سمعهم من لم يكن منهم أنكرهم ، وربما أداه الجهل إلى أن كفرهم ، ولا ينبغي إذ يكون لزيد لسان واصطلاح لا يفهمه عمر ، ويكون ذلك باطلا في نفسه ، فهذه الفرقة نبهها اللّه تعالى عن سنتها ، وأيقظتها من غفلتها كما قيل :
وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم
فليتهم إذ لم يعرفوا وقفوا ، وليتهم إذا عرفوا أنصفوا ، ولكنهم كما قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي اللّه عنه وأرضاه ، وجعل الحضرة المقدسة منقلبه ومثواه « إنهم كصخرة في فم واد ، فلا هي شربت الماء ، ولا تركت غيرها يشرب » .
وما أحسن ما قال بعض المشايخ رضي اللّه عنه : « إذا عجزت عن شيء ، فلا تعجز عن رؤية العجز والتقصير عنه » .
وللمؤلف - عفا اللّه عنه :
لو كنت شاهدت يوم البين إيش جرى * ما كنت أنكرت دمع العين حين جرى
ولو تجرّدت من ثوب الحدوث لما * جهلت ما في سرّ غار حرا
لكن حجبت عن المعنى بظاهره * فلست معنا فأبّدت قلبك الحجرا
ولا تكن قافيا ما لست تعلمه * واحذر فؤادك ثم السّمع والبصرا
هامش
( 1 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 4 / 326 ) ، والديلمي في « الفردوس » ( 1 / 210 ) .