عبيد من حيث الحدوث ، والتعدد أرباب من حيث ما فيهم من سر الربوبية مع أن الحدوث مناف للقدم ، والتعدد مناف للوحدة فيتحيرون عند ذلك فدعا أن يزول عنهم ما يوجب هذه الاتهامات الفاسدة المفيدة لحصول مقام الفرق بعد الجمع
( وَلا يَلِدُوا
[ نوح : 27 ] ، أي :
ما ينتجون ) في اعتقاداتهم عن استغراقهم في مقام الجمع ، ( ولا يظهرون ) في كلماتهم عن ذلك
( إِلَّا فاجِراً
[ نوح : 27 ] ، أي : مظهرا ) على العامة ( ما ستر ) عنهم من أسرار الربوبية
( كَفَّاراً
[ نوح : 27 ] أي : ساترا ما ظهر ) من تلك الأسرار منهم ( بعد ظهوره ) في كلماتهم ( فيظهرون ) أولا على العامة ( ما ستر ) أي : ما يجب ستره عنهم لقصورهم .
[ ثمّ يسترونه بعد ظهوره ، فيحار النّاظر ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره ، ولا الكافر في كفره ، والشّخص واحد ،
رَبِّ اغْفِرْ لِي
[ نوح : 28 ] ، أي استرني واستر من أجلي فيجهل مقامي وقدري كما جهل قدرك في قولك :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[ الأنعام :
91 ] ،
وَلِوالِدَيَّ
[ نوح : 28 ] من كنت نتيجة عنهما وهما العقل والطّبيعة ،
وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ
، [ نوح : 28 ] أي : قلبي ،
مُؤْمِناً
[ نوح : 28 ] ، أي : مصدّقا بما تكون فيه من الإخبارات الإلهيّة .
وهو ما حدّثت به أنفسها ،
وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ نوح : 28 ] من العقول
وَالْمُؤْمِناتِ
[ نوح : 28 ] من النّفوس ،
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ
من الظّلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب الظّلمانيّة
إِلَّا تَباراً
[ نوح : 28 ] أي : هلاكا فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحقّ دونهم ، في المحمّديين :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] ، والتّبار : الهلاك ، ومن أراد أن يقف على أسرار نوح فعليه بالتّرقّي في فلك يوح ، وهو في التّنزّلات الموصليّة لنا والسّلام ] .
ولذلك قال العارفون : إفشاء سر الربوبية كفر ، ( ثم يسترونه بعد ظهوره ) عليهم بإظهار تأويل لما صدر عنهم من تلك الكلمات مع أنهم لقصورهم لا يقدرون على التطبيق بينهما ( فيحار الناظر ) من العامة إلى كلماتهم ، ( ولا يعرف قصد الفاجر ) المظهر ( في فجوره ولا الكافر ) أي : الساتر ( في كفره ) أي : لا يعرف لم يظهره ، ثم يستره أخذ الفاجر من الفجر ، وهو الصبح لما فيه من الإظهار ، والكافر من الكفر وهو الستر بطريق الإشارة ، وكذا معنى الولادة على ما هو دأبه لقصده بيان سائر المفهومات بعد المفهوم الأول ،