ذاتياته ولوازمه الكلية ، فإنه لم يدرك ذلك الأمر حق الإدراك تماما ، ولم يعرفه حق المعرفة .
وسواء كان متعلق إدراكه ومعرفته العالم من حيث معانيه وأرواحه ، أو من حيث صوره وأعراضه ، أو كان متعلق معرفته الحق ، فإنه متى كشف له عن جلية الأمر وصورة تعين كل معلوم في علم الحق وجد الأمر كذلك ، فإنه ما لم ينته معرفته بالحق إلى إطلاقه وصرافة وحدة ذاته الحقيقية ، التي لا اسم يعيّنها ولا وصف ولا حكم ولا رسم ، ولا تنضبط بشهود ، ولا تعقل ، ولا تنحصر في أمر معين ، لم يعرف أن ليس وراء اللّه مرمى ، وأن الإحاطة به علما وشهودا محال ، وأن ليس بعد الوجود الحق المطلق إلا العدم المتوهم ، هذا وإن كان لمعرفة تعذّر العلم باللّه على نحو ما يعلم نفسه طريق آخر أعلى وأتم وأكشف ، عرفناه ذوقا وشهودا بحمد اللّه ومنّه ، لكن ذلك مما يحرم بيانه وتسطيره وغاية البيان عنه هذا الإلماع المذكور .
هذا وإن كان الذوق والمعرفة الحاصلة لصاحبه والشهود من حيث استناد ذلك الذوق ، والمقام إلى حضرة اسم من الأسماء الإلهية الذي هو قبلة ذلك المقام ، وغاية معرفته من الحق نهايته ، سيما من الوجه الذي يقضي بأن الاسم عين المسمّى ، كما أوضحناه في مواضع من كلامنا ، لكن تلك غايات نسبية ، فإن المبادئ والغايات أعلام الكمالات النسبية ، والأمر من حيث الكمال الحقيقي بخلاف ذلك .
وإليه الإشارة بقوله تعالى لأكمل عبيده :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
[ النجم : 42 ] ، وأدرج سبحانه وتعالى في هذه الآية لطيفة أخرى خفية ، وهو كونه لم يقل :
( وإن إلى ربك منتهاك ) بل نبّه على أن غايته من مطلق الربوبية الغاية التي هي غاية الغايات ، وليس بعدها إلا تفاصيل درجات في الأكملية التي لا تقف عند حدّ وغاية .
وقد أشار صلى اللّه عليه وسلم إلى ما ذكرناه في بعض مناجاته فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك « 1 » » : أي لا أبلغ كل ما فيك . فجمع فيه بين التنبيه على تعذر الإحاطة وبين التعريف
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 352 ) .