أظهرنا هذا الكمال ، وأبرزنا هذا الجمال والجلال ؛ فإنما أخبرنا عن قطرة من بحر ، وحدّثنا عن ذرّة في قفر . وهيهات هيهات ! أين منّا ما حوته الذات ، فكيف السبيل إلى ظهور الشؤون الإلهيّة الذاتية المتعالية عن الحقائق الأسمائية والصفاتية ؛ فحينئذ برزت إشارة كنهيّه بعبارة منهيّة : إني قد اختلست من ذاتي نسخة « 1 » جامعة لأسمائي وصفاتي بمزيد حقائق الكنه الذّي لا يعبر عنه .
وأبرز فيه بروزا هو عين الكمون ، وأظهر فيه ظهورا هو عين البطون متصورا بصورة بديعة متنزّلا في مشاهدي الرفيعة ؛ تكون تلك الصورة مجلى لشأوكم الرفيع ، ومظهرا لشأنكم البديع ، وتستأثر في نفسها بما لها في قدسها من كنه لا يعرف ، وحقيقة لا تدرك ولا توصف ؛ فتكون نسبة ذلك المظهر الأكمل والمجلى الأعزّ الأفضل إلى مظاهركم العظيمة ومجاليكم الكريمة نسبة الذات إلى الصفات ؛ ليكمل به ثنائي على علائي ، فشققت من الحمد اسمها ؛ إذ كان ذلك رسمها فسمّيته محمدا وأحمدا ومحمودا ، وجعلته عابدا ومعبودا . ومن ثمّ جعلت لواء الحمد لوائه ، والوسيلة العظمى مستواه ، فالأنبياء والأولياء صلوات اللّه عليهم مظاهر الأسماء والصفات ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم مظهر الذات « 2 » .
هامش
( 1 ) فهو صلى اللّه عليه وسلم النسخة الصغرى وهي العبد الكامل الذي كان مظهرا لكل اسم إلهيّ من غير أن يغلب عليه اسم من الأسماء ، ويسمّى من وجه بالخليفة والنائب ، وهو الرداء على الحق ، وقد يستهلك بالحق بحيث لا يظهر له وجود عين أصلا ، فيكون حقّا كله والانفعالات تقع منه من غير أن تنسب إلى شيء من وجوده .
( 2 ) فهو صلى اللّه عليه وسلم المظهر الأتم الأكمل ، والإمام المقدّم الأمثل صلى اللّه عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون الاسم الأعظم هو هو ، فيكون صلى اللّه عليه وسلم كلمة الهوية .
قال الشيخ عبد الكريم الجيلي قدّس سرّه في « الإنسان الكامل » :
اعلم أن هذا الاسم أخص من اسم اللّه تعالى ، وهو سرّ الاسم اللّه إلى أن قال : اجتمعت ببعض أهل اللّه بمكة زادها اللّه تعالى شرفا في آخر سنة تسع وتسعين وتسعمائة ، فذاكرني في الاسم الأعظم الذي قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنه في آخر سورة البقرة ، وأول آل عمران ، فقال إنه كلمة هو .
وذلك مستفاد من ظاهر كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن الهاء آخر قوله : سورة البقرة والواو : أول قوله ، وأول آل عمران ، وهذا الكلام وإن كان مقبولا فإني أجد للاسم الأعظم رائحة أخرى انتهى .